تحقير شارلي إيبدو للمعتقدات وتطاولها على مشاعر الآخرين يخالف شرعة حقوق الإنسان




نسيم بو سمرا(tayyar.org)

منذ الأحداث الارهابية المؤسفة في باريس، بالهجوم على مجلة شارلي إيبدو الساخرة، والتي راح ضحيتها 17 شخصا بينهم 10 صحفيين وشرطيين ومدنيين، وما تبعها من عمليات احتجاز رهائن، ومن دون الغوص في هوية الجاني والذي مهما كانت هويته يبقى إرهابيا، بدأ الشرخ يتصاعد بين الدول والشعوب، لا بل ظهر هذا الشرخ الموجود أصلا منذ أحداث 11 أيلول 2001 في الولايات المتحدة، وقد شبّه بعض المحللين ما حدث في باريس بـ 11 أيلول الأوروبي وما ينتج عنه من زيادة الدول الأوروبية تشددها في سياساتها الداخلية والخارجية على حد سواء، فمنذ تنظيم ما سمي بمسيرة الجمهورية في باريس بحضور ممثلين عن خمسين دولة في العالم، وشارك فيها حوالي مليون ونصف المليون من فرنسيين وغيرهم، ومنذ تلك اللحظة والمواقف تطلق من هنا ومن هناك، في ما يشبه سوق عكاظ، وفي حين تجمع المواقف على شجب هذا العمل، إلاّ أنّ الاختلاف يقع في توصيف الأسباب التي أدّت الى هكذا ردّ فعل عنفي على الصحيفة الفرنسية، غير أنّ  المواقف من الجهتين لم ترقى الى مستوى الحدث وخطورته وجاءت مشحونة بالعواطف والتحدي، وهذا السجال إن دلّ على شيئ، فإلى الاختلاف في المفاهيم وفي سلّم القيم بين الشرق والغرب، فيما الحقيقة واضحة والتفسير بسيط والمعالجة سهلة، إذا عدنا الى المبادئ القانونية الأساسية التي وضعتها فرنسا نفسها بعد الثورة الفرنسية، والتي استند عليها لاحقا الاعلان العالمي لحقوق الانسان.
إنّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة في العام(1948( كرسمبدأ  حرية التعبير فنص على أن لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير في إطار ضمان الاعتراف الواجب بحقوق وحريات الآخرين واحترامها، وكرس العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر عن المنظمة الدولية في العام (1966) هذه الحرية فأعطى لكل إنسان حقاً في حرية التعبير إلاّ أنه أخضعها بدوره إلى احترام حقوق الآخرين أو سمعتهم أو حماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة،  أما الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان التي وافقت عليها الدول الأوروبية في العام(1950) فلم تخرج عن هذا الإطار حيث أكدت بالنص الحرفي على أن لكل إنسان الحق في حرية التعبير على أن تتضمن هذه الحرية واجبات ومسؤوليات و تخضع لقيود وشروط وعقوبات حسبما تقتضيه الضرورة لصالح الأمن القومي وسلامة الأراضي وأمن الجماهير وحفظ النظام ومنع الجريمة وحماية الصحة والآداب واحترام حقوق الآخرين ومنع إفشاء الأسرار وحياد القضاء، وفي هذا السياق أقرت الاتفاقية الأميركية لحقوق الإنسان العام (1969) الأمر نفسه وبالنص الحرفي أحياناً، وهكذا نلاحظ أن حرية التعبير لم تكن مطلقة وكانت مشروطة دائماً في الوثائق الدولية والقوانين المحلية.
لذلك، إنّ التبريرات الرسمية للدولة الفرنسية، وإصرار اسبوعية شارلي ايبدو الساخرة على إكمال نشرها للإساءات وكان العدد الأول الصادر بعد الهجوم، نشر رسم مسيئ جديد للنبي محمد، وقد برّر الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند ما حصل ويحصل، بحرية التعبير التي هي إحدى القيم التي تتمسك بها فرنسا، على حد تعبيره، في وقتٍ أعلنت وزيرة العدل الفرنسية كريستيان توبيرا أن "باريس لن تمنع أحدا من رسم الأنبياء "، لافتة الى أن " للرسامين الحق في السخرية من جميع الأديان"، في حين رأينا أنّ هذه الأقوال تناقض بشكل فاضح مع شرعة حقوق الإنسان والإعلان العالمي لحقوق الانسان والقوانين الأوروبية والفرنسية نفسها.
يبدو أن تلك الرسومات الكاريكاتورية التي تنشرها صحيفة شارلي ايبدو الفرنسية، لا تأتي على خلفية بريئة أو نتيجة الجهل بعقائد المسلمين والمسيحيين واليهود، وإنما هي إساءة متعمدة للديانات الثلاث وعمل استفزازي بنية مسبقة وتصور وتصميم، تحقق من خلالها حكومات ودول كبرى أهدافها ومصالحها، وفيما تختلف ردود الفعل بين الشعوب الاسلامية والمسيحية مع التذكير بالمواقف الشاجبة لتحقير الديانات الصادرة عن البابا فرنسيس وبطاركة الشرق، تتمظهر ردود الفعل بشكل عنيف في البلاد العربية والإسلامية، والتي تأتي غالبا نتيجة قناعات أن هذه الرسوم والكتابات تنال من عقائدهم وثقافتهم وقيمهم وإهانات متعمدة إلى ثقافة الأمة وهويتها، وليس كما يحاول الإعلام الممسوك في الغرب تصويرها بأنها ردات الفعل غرائزية أو ممارسات متخلفة،( وهنا نسلط الضوء فقط على ردات الفعل التي تترجم بالتظاهرات والمقالات المعترضة وغيرها من الوسائل السلمية المعتمدة، وليس بالمظاهر العنفية من قتل وإرهاب الغير مبررة لا بالمنطق الإنساني ولا يبررها كذلك أي دين) فما تقوم به هذه الصحف بالنتيجة يخالف تقاليد الصحافة ومواثيق الشرف الصحافية وحقوق الإنسان وقوانين الدول الأوروبية بذاتها.

Comments

Popular posts from this blog

الامبراطورية الاميركية تحولت الى أمة مستبدة تقوم على وهم القوة والبرازيل تتصدى لترامب بتفعيل "جسر البريكس"

النساء في إيران تتحدى سياسات التمييز ضدهن بفرض الحجاب...حدث رياضي تحول الى مهرجان "بشعر مكشوف"!

مصير حكومة نواف شبيهة بمصير حكومة عباس...والذي سيفاوض عن لبنان هو من يملك السلاح -نسيم بو سمرا