إنتخابات التيار الرئاسية على مشرحة الإعلام، وخيارات العماد عون تحظى بالأكثرية


نسيم بو سمرا

كان من المفترض أن تؤسس الإنتخابات الأولى في التيار الوطني الحر الديناميكية داخل التيار، وإذ بها تشكل هذه الديناميكية على مساحة الوطن، جراء توجه الأنظار جميعها الى ما نتج عن الحراك النشط في التيار الذي بدأ منذ اشهر، للطامحين لرئاسة التيار.
فعشية فتح باب التراشيح في ال20 من الشهر الجاري، لرئيس التيار الوطني الحر، صدرت عشرات المقالات في الصحف منذ الأمس وستتجاوز المئات ربما خلال الأيام المقبلة وكلها تحلّل او تنتقد او تهاجم الإتفاق الداخلي الذي جرى على انتخابات رئاسة التيار الوطني الحر، والكل غيارى على ديمقراطية التيار وهذا طبيعي نظرا لأن معظم الحالات الإنتقالية في الأحزاب الأخرى حصلت بسلاسة نتيجة الغياب التام للديمقراطية داخلها، فجرى التوريث من دون اجراء انتخابات وبلا معارضة تذكر حتى، فيما التيار الوطني الحر يخوض تجربته الإنتخابية الأولى لتأطير تيار شعبي عريض في حزب ليس تقليديا كما الكثير من الأحزاب اللبنانية ولن يكون وراثيا كما معظم الأحزاب الأخرى والضمانة تكمن بنوعية المنتسبين إليه والذين يعرفون بالمتمردين أو بجيل عون، أمّا الاتفاق الذي حصل وإن لم يكن مثاليا إلا أنه جنّب التيار خضة كبرى في هذه الظروف الاستثنائية والمعارك المفتوحة على أكثر من جبهة يخوضها التيار والعماد ميشال عون على الصعيد السياسي؛ (مع اقتناعي ان نتيجة الإنتخابات مهما كانت، لم تكن لتصل الى حد الانقسام او التشرذم كما يصور البعض، بين ناشطي ومناضلي التيار الذين يقوا موحدين في ظروف أصعب).
و في هذا الإطار، لفتتني مقالات عدة، تناولت الإستحقاق الانتخابي والاتفاق الذي حصل أمس بمباركة العماد ميشال عون، بشكل موضوعي؛ المقالة الأولى في صحيفة السفير وجاء فيها: لم تكن الانتخابات في «التيار» شأناً داخلياً ولن تكون. من انتظر انتخابات «التيار» من خارجه انتظرها لأنها كانت «الفرصة الجدية الوحيدة لهز الأحزاب الأخرى وتحريك الكتلة المعترضة فيها» حسبما كان يرى عونيون كثر. من انتظرها كان يأمل أن تشكل فرصة لخلق ديناميكية جديدة تواجه الضمور في الحياة السياسية.. وربما تؤسس لحياة جديدة لكن كل شيء توقف فجأة لأن الرمز قرر أن ينزل عن العرش الذي وضعه فيه مناصروه... المفارقة أن لسان حال المرحبين بالإنجاز لم يكن أكثر تفاؤلاً من الراضين به على مضض. هؤلاء اعتبروا أن ما حصل هو أفضل الممكن، بعدما كان «التيار» مهدداً بالصدامات، وربما الانشقاقات، خاصة أن الانتخابات تجري من القاعدة.
أربع سنوات هي ولاية رئيس الحزب. وبين من يقول إن «التيار» انتهى بعد فشله في تقديم النموذج وبرهن أن تجربته لم تنضج، ومن يقول إن تجنب المعركة يعطيه فرصة لتجديد نفسه، من خلال انتخابات القطاعات والمجلس السياسي واللجان المركزية: وحدها التجربة ستكون الحكم.
أما المقالة الثانية التي لفتتني ففي "السفير" أيضا وأشارت الى أن تخريجة التسوية التي أريد من خلالها تظهير التفاهم لتقديمه الى الرأي العام البرتقالي، بدت ركيكة جداً، ومصابة بالوهن، وزادت من منسوب الفوضى بين القواعد، وكأنّ صانعيها يخجلون بها، مع أنّهم قادرون على تقديم كل الحجج والبراهين التي تثبت صحتها، لا بل الحاجة اليها لعبور المرحلة بجسم متماسك.. خصوصاً أنّ الجنرال أكثر الراغبين بمضمونها.
وتضيف الصحيفة أن بنظر المتحمسين لخيار إقفال صناديق الاقتراع، فإنّ غزيرة البقاء هي التي دفعت باتجاه إحناء الرأس أمام الاتفاق، لأنّ «التيار» لا يملك ترف النضال من أجل النضال فقط، وصار لا بدّ من التفكير بعقلانية أكثر كي يبقي على اتحاد صفوفه للحفاظ على قوته، خصوصاً بعد التحركات الميدانية الأخيرة التي أسقطت عنه ورقة توت التعبئة الشعبية. ولا بدّ من التحايل على الديموقراطية لبناء وعاء قادر على استيعاب الجميع.
وبالتالي فإنّ الصدام الداخلي، حتى لو لم يكن انشقاقياً في خاتمته، فهو سيزرع بذوراً سيئة بين أبناء الصف الواحد وقد تكون نتائجه تدميرية. من هنا كانت ملاقاته من غالبية القيادات البرتقالية والأرضية العونية.
عملياً، لم يكن الاتفاق خياراً يفاضل بين الصح والخطأ، وإنما بين الواقع والمجهول. بين أفضل الممكن، وأبغض الحلال، حتى لو كان هذا الحلال حقاً ديموقراطياً بامتياز. فانتصر التفاهم الذي يأمل العونيون أن يكون حقيقياً، وليس من باب تبويس اللحى.
لهذا بدا أنّ الحلقة العونية من خارج التنظيم هي الأكثر حماسة للتسوية، كونها غير معنية بالحسابات والحرتقات الداخلية، وتخشى على هذه الحالة من الذوبان أو التشرذم، الذي سيكون مصيراً حتمياً فيما لو تشلّعت الشجرة البرتقالية وصارت أغصاناً عارية.. وستطال مفاعيل هذا الانحلال الوسط المسيحي لا العوني فقط...هكذا، فإنّ «التيار» يواجه تحدياً مصيرياً في بدايته التنظيمية كحزب سيُبنى على هيكلية واضحة يديرها نظام محدد يفترض أن ينقله من وضعية «التيار» المتفلت من الضوابط، الى حزب يطمح لبناء الحدّ الأدنى من المؤسسة القادرة على مواجهة الغد.
هنا مسؤولية الجنرال صارت مضاعفة لأن يرعى هذا الاتفاق ويحرص على احترام جوهره التشاركي، كما على جبران باسيل أن ينفض عنه تهمة «الإلغائية» ويثبت قدرته على سماع الرأي الآخر. كما على الفريق الآخر أن يبرهن أنّ الاتفاق لم يطرَّز على قياس أفراد وإنما لمصلحة المجموعة ككل.
بهذه الروحية دعا الجنرال إلى لقاء موسع، عُقد بعد ظهر أمس، في الرابية، حضره، الى جبران باسيل وألان عون، نواب «التيار» ومنسقو الأقضية واللجان المركزية، ليتلو أمامهم كلمة وجدانية يعبِّر فيها عن سعادته بالاتفاق الذي يجمع بين أبنائه، ومباركته له، مؤكداً أمامهم بأنه «الضمانة لهم.. ووصيتي لكم أن تكونوا ضمانة بعضكم بعضاً»…وقد تقصَّد عدم الدخول في تفاصيل الاتفاق مكتفياً بالإشارة الى أنّ «التيار» فريق واحد ولا يجوز التعاطي بمنطق الشروط والشروط المضادة. وشدد على أن «لا رابح ولا خاسر جراء التفاهم، بل الكل رابحون لأنه جاء نتيجة رغبة الأكثرية الساحقة». وأنهى كلامه باكياً وسط تصفيق الحضور ودموعهم.


إذا في محصلة عرض بعض الآراء الصحفية التي تناولت شأن انتخابات الرئاسة في التيار، يبقى الأهم أن التيار وكما تخطّى محاولات الإلغاء السابقة منذ حرب الإلغاء الأولى في 13 تشرين 1990 التاريخ الفعلي لنشأته من رحم العذابات، وكما صمد بعد العام 90 وتجاوز الإستهداف ومحاولة الخروقات وتأليب المناضلين فيه بعضهم على بعض، من قبل دول وأجهزة استخباراتهم، وهذه المحاولات ما زالت جارية حتى يومنا هذا وإحدى محطاتها هي الإنتخابات الداخلية، سيتخطى التيار اليوم أيضا محاولة شق صفه تمهيدا لإلغائه، في وقتٍ بات الشعب اللبناني يراهن على هذا التيار الذي يشكل له آخر سبيل للخلاص والمحطة الأخيرة التي ينطلق منها هذا الشعب العظيم لبناء وطن قوي.

Comments

Popular posts from this blog

الامبراطورية الاميركية تحولت الى أمة مستبدة تقوم على وهم القوة والبرازيل تتصدى لترامب بتفعيل "جسر البريكس"

النساء في إيران تتحدى سياسات التمييز ضدهن بفرض الحجاب...حدث رياضي تحول الى مهرجان "بشعر مكشوف"!

مصير حكومة نواف شبيهة بمصير حكومة عباس...والذي سيفاوض عن لبنان هو من يملك السلاح -نسيم بو سمرا