من هم المؤتمنون على بناء الدولة في لبنان في ظل الإنفلات الأمني الراهن؟
نسيم بو
سمرا
على الطريقة المافيوية أو
العشائرية تتعاطى بعض الافرقاء في الحكومة مع تراكم المشكلات على مختلف الصعد،
المعيشية منها والاجتماعية والاقتصادية وحتى الامنية من خلال التسويات وعقد
الصفقات مع المرتكبين، ما يشجع تلك الاطراف على الاستمرار في تحديها للدولة
اللبنانية طامعة يتحقيق المكاسب على حساب الآخرين وحقوقهم، وهذا المسار سيؤدي في
نهاية المطاف الى نشر الفتنة في المجتمع اللبناني.
إنّ ما يحصل في الآونة
الأخيرة من
اعتصام الأسير في صيدا وما نتج عنه من شلل اقتصادي في أسواقها، إلى حركة
"عمال المتعهد" الذين يستبيحون مؤسسة كهرباء لبنان ما أدّى الى زيادة
مشكلة الكهرباء بسبب توقف الجباية وحجز الأموال وعدم تصليح الأعطال، إلى حركة خالد
الضاهر والتكفيريين ضدّ مؤسسة الجيش اللبناني، كل هذه الأحداث تشير الى تحكم العقلية العشائرية بالمجتمع اللبناني ما
يستوجب وجود دولة قوية قادرة وعادلة لحل المشكلات العالقة، تعطي من جهة كل ذي حقّ
حقه وتمنع التعدّي على حقوق الآخرين من جهة أخرى، إلاّ ان ما حصل في معالجة هذه الحالات
الشاذة لا يبعث الى الأمل في ظل اتباع أسلوب الأمن بالتراضي ما أضعف أكثر فأكثر
هيبة الدولة وأجهزتها الأمنية، بدءاً ممّا نتج عن حادثة الكويخات من معاقبة للضباط
وعناصر الجيش الأبطال الذين قاموا بواجبهم في حماية السلم الأهلي بعدما كشفت خيوط
ما كان يحضّر في تلك الموقعة، ومحاولة تبرأة القتيل الشيخ عبد الواحد ورفيقه من
القضاء العسكري الذي أعاد توقيف الضباط والعناصر بحجّة التوسع في التحقيق بعد أن
كان أخلى سبيلهم لعدم توافر العنصر الجرمي في فعلهم، تبعها قطع للطرقات في عكار من ميليشيات مدججة بالسلاح هددت المارة وحطمت
سياراتهم وارهبت المواطنين الآمنين في منازلهم وتمّ كل ذلك على مرأى من الجيش وبغض نظر أو باشتراك ومؤازرة من القوى
الأمنية، وبالطريقة نفسها يعتدي عمال المتعهد على أرزاق اللبنانيين، ويقطعون عنهم
أهم مرفق حيوي حياتي، ويرشقون المعتصمين المعترضين على احتلال المؤسسات العامة
بالحجارة ويهددون الموظفين، هذا التسيب الأمني وعدم قيام الأجهزة الأمنية
بواجباتها نتيجة غياب القرار السياسي، دفعت بالمواطنين الى أخذ حقهم بأيديهم ما
يذكرنا بغياب الدولة أو بالأحرى يعيدنا الى عصور خلت سادت فيها شريعة الغاب حيث
كان لكل مجموعة بشرية قوانينها حاولت فرضها بالقوة على المجموعات الأخرى، أمّا في
ما خصّ إعتصام الشيخ احمد الأسير فطريقة معالجتها ذكرتنا بنموذج ما كان يحصل في
الحرب الأهلية حيث كان لكل منطقة أمنها الذاتي، ولا سلطة للدولة عليها إلا من خلال
أمرائها الذين يعطون فقط بعد ان يأخذوا الثمن، وهو بالتحديد ما حصل
مع الأسير لفك الاعتصام، والفضل الأكبر بإعادة العمل بهذا النموذج المقوّض للشرعية،
يعود لوزير الداخلية مروان شربل.
فأين هي الدولة التي
يطالب البعض في لبنان والخارج بتسليمها سلاح المقاومة الذي وجد أساسا بسبب غياب
هذه الدولة وما زالت غائبة حتى اليوم والنماذج التي ذكرناها تثبت ذلك، ولم يبق في
لبنان زاوية لم ينخرها الفساد ولا تفوح منها رائحة الصفقات، فهل المطلوب من خلال
تهديم المؤسسات العامة، بناء الإدارات المدنية على أنقاضها؟ هي إدارات محلية
أنشأتها الميليشيات خلال الحرب الأهلية في المناطق التي كانت تسيطر عليها والتي حلت
مكان الدولة، وهل المطلوب أيضاً من خلال ضرب الجيش ونزع سلاح المقاومة إعادة إنتاج
الميليشيات وإطلاق يد إسرائيل وعملائها في الداخل؟ وبخاصة بعدما خضع القضاء المدني
تيمنا بالقضاء العسكري، للضغوطات السياسية من خلال تسليم اللجنة القضائية الموكلة
النظر بموضوع داتا الاتصالات الداتا كاملة "all data"
ما سيؤدي الى كشف أمن اللبنانيين وأعمالهم
وخصوصياتهم للعدو الاسرائيلي أولا وأخيرا.
هذه الأسئلة المشروعة التي نتجت عن الصورة القاتمة التي
أظهرناها تؤكد هواجسنا وتستوجب من طرفي وثيقة التفاهم الذين لم يتورطا في حلقة تدمير
لبنان أن يبادرا الى التنسيق الجدي والفاعل لتحصين صفوفهما من أي اختراق يهدف الى
إلهائهما عن تحقيق أهدافهم المشتركة في بناء الدولة القوية القادرة والعادلة التي
يحميها ثالوث مقدس قائم على الجيش والمقاومة والشعب، ونحن مطمئنون الى انّ التيار
الوطني الحر بنضاله وحزب الله بمقاومته يكملان بعضهم البعض وهما يملكان القدرة
والعزيمة على الحفاظ على الإنجازات التي تعمدت بالدم في حرب تموز 2006، فالتاريخ
النضالي المقاوم لهاتين الحالتين اللتان تشكلان نموذجا يحتذى به في ممارسة الشأن
العام لدليل قاطع على انّ جيوبهم فارغة من أي عمولة وضميرهم مرتاح من أي جريمة
وسجلهم خال من أي عمالة .
Comments
Post a Comment