مضيق جبل طارق وأهميته الإستراتيجية للغرب بعد اكتشاف حقول الغاز في المتوسط


نسيم بو سمرا

في بداية كل قرن على مدى التاريخ يتخبط العالم بحروب صغيرة هنا وهناك، في هذه القارة أو تلك بحسب موقعها الجيوسياسي وارتباطها بمصالح الدول المهيمنة على القرار، وحين لا تحقق هذه الحروب الصغيرة أهدافها في استرجاع نفوذ تعتبر الدول الكبرى أنها فقدتها مع مرور الوقت، تعود لتشن حروبا كبرى تسمى بالحروب العالمية التي رافقت البشرية منذ القدم وما زالت تغرقها بالدماء لغاية يومنا هذا، وقد تخبط القرن الماضي بحربين عالميتين الأولى والثانية بعدما كان شهد القرن الثامن عشر حرب المئة سنة في القارة الأوروبية تلتها حروب نابوليون في القارة نفسها. 
يمرّ عالمنا راهنا بمرحلة إنتقالية دقيقة تشبه ظروف ما بعد الحرب العالمية الثانية، التي أدّت آنذاك الى رسم خارطة جديدة على المستوى الجغرافي من جهة والى إعادة توزيع موازين القوى من جهة أخرى ترجمت بتشكيل مجلس الأمن الدولي في نظامه الحالي.
من ناحية الشكل، تختلف الأحداث في ما بين المرحلتين، ففي حين دارت الحرب العالمية الثانية على مختلف الساحات دفعة واحدة، تخاض الحرب الراهنة أو الحرب العالمية الثالثة إذا صحّ التعبيرعلى دفعات، وذلك مردّه الى تطور الجيوش واختلاف أساليب القتال تماشياً مع التحولات الاقتصادية التي انتقلت أنماطها من النظام الرأسمالي الى نظام العولمة الاقتصادية، أمّا في المضمون فالنتيجة واحدة، إذ خسرت الدول التي تسببت بالحرب آنذاك وعرفت بدول المحور، في وجه المحور المسمى الحلفاء، في مقابل تقهقر الولايات المتحدة الأميركية في حروبها التي تشنها اليوم، في وجه محور الممانعة، هذا المحور القائم على رفض الأحادية القطبية التي تمثلها الولايات المتحدة، يعمل على إقامة نظام جديد يؤسس لتعددية الأقطاب تتساوى فيه الدول وفقاً لحقوقها لا بالنظر الى مصالحها، هذا المحور لا ينحصر جغرافياً في منطقتنا، بل يمتد ليشمل دول أميركا اللاتينية في ما يسمّى " ألبا "، الى جنوب أفريقيا والهند مروراً بالبرازيل، وصولا الى روسيا والصين، بما يعرف بدول " بريكس".
أمّا السؤال المطروح في هذا الإطار: لماذا تدور رحى الحرب الراهنة في منطقة المشرق العربي بالذات بعد ان وضعت أوزارها في المغرب العربي؟
إنّ العلاقات بين الدول تبنى على المصالح المشتركة، فتكون إمّا طبيعية تستند الى تعزيز الروابط بين الشعوب، وتعتمد على التعاون من النواحي الاقتصادية والدبلوماسية والسياسية والثقافية...الخ، أو تكون علاقات مأزومة، تعتمد نهج المقاطعة والتحدي وتؤدي في معظم الحالات الى الحرب بمختلف أشكالها من إقتصادية وثقافية وعسكرية، فالحرب الإقتصادية التي تشنها الولايات المتحدة وحليفتها بريطانيا والدول الملحقة بهما في أوروبا الغربية على ايران، لا تقل ضرراً عن تلك العسكرية التي تشن راهنا على سوريا، في حين كسبت الجمهورية الاسلامية الايرانية الجولة الأولى من الكباش والتي تمحورت حيال  فرض السيطرة على الخليج الفارسي- العربي عبر التحكم بمضيق هرمز، تراجع في نهايتها المعسكر الغربي، وهذا التراجع نضعه في خانة التراجع الاستراتيجي وليس التكتيكي لسببين:
أولاً: الاصطدام بالحزم الإيراني بعد تهديد طهران بإغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية وقد أخذ هذا التهديد على محمل الجد، ما كان سيؤدي الى تبعات أقلها إرتفاع أسعار النفط وبالتالي الى انهيار معظم إقتصادات دول الاتحاد الأوروبي وإضعاف إقتصادات كل الدول التي تسد إحتياجاتها من النفط بواسطة الإستيراد؛ فكما بات معروفاً، يشكل مضيق هرمز ممراً  لحوالي40% من النفط العالمي، وهذا الرقم قابل للزيادة مع اكتشاف حقول الغاز في محيط الخليج الفارسي- العربي ما يعطي القدرة لمن يسيطر على المضيق في التحكم بالشريان الرئيس للإقتصاد العالمي.
ثانياً: اكتشاف كميات الغاز الهائلة في المنطقة الممتدة من سواحل تركيا وجزيرة قبرص مرورا بالساحل السوري ولبنان وصولا الى ساحل فلسطين المحتلة، هذا العامل الجديد غيّر وجهة إهتمامات المعسكر الغربي، وسيؤدي في المستقبل الى استعادة مضيق جبل طارق لأهميته التي كان يملكها قبل الثورة الصناعية في القرن السادس عشر ليوازي بأهميته مضيق هرمز.
 لطالما شكلت موارد الطاقة السبب الرئيس لإشعال الحروب فكيف إذا أضفنا إليها عامل آخر يشير الى ان الطاقة الأحفورية التي تمد عالمنا بالطاقة بدأت تنضب، أضف إليها ان الدول الصناعية بدأت تتجه أكثر فأكثر الى استعمال الطاقة المتجددة من شمسية وهوائية وغاز الميثان الى جانب الغاز الطبيعي وبدأت بالحد من اعتمادها على الطاقة النووية ومن المتوقع ان يقفل آخر مفاعل نووي في اوروبا في العام 2030 ما سيحتم البدأ منذ اليوم بتوجيه الإستثمارات نحو الطاقة المتجددة النظيفة ومن ضمنها الغاز المكتشف على سواحلنا.
ففي ظل هذا التنافس الحاد، تحاول الولايات المتحدة إستنزاف محور الممانعة لمنعه من الاستفادة من موارده الطبيعية، هذا المحور الممتد من إيران مروراً بالعراق الى سوريا وصولا الى لبنان، دفع بواشنطن الى شنّ حرب على سوريا بالوكالة من خلال تسليمها تركيا وقطر والسعودية المهمة، لما تشكله سوريا من حلقة أساس في هذا المحور، ما سيفتح الباب على صراعات طائفية، ستكون أشدّ دموية ممّا شهدناه حتى الآن وتمتد الى جميع دول المشرق العربي ومن ضمنها مصر، وذلك سيؤدي في النهاية الى تقسيم هذه الدول الى كيانات مذهبية متصارعة على الدوام؛ ونستشهد في هذا السياق بالتقارير الصادرة عن كتاب ومحللين فرنسيين مشهود لهم بالنزاهة، ترجمها وزير الخارجية الفرنسية من تركيا لوران فابيوس منذ يومين بقوله: إن ما بعد مرحلة بشار ستكون اكثر دموية ممّا يحدث اليوم وخارجة عن السيطرة في شكل كامل.
فالاستمرار في تضييق الخناق على محور الممانعة إنطلاقا من سوريا سيعرّض المنطقة برمتها لضغط كبير يمكن أن يؤدي الى الإنفجار، على وقع الحراك الشعبي في مختلف دول المنطقة، والتي لن تتمكن أي دولة من النأي بنفسها عنه، هذا الحراك بدأت عوارضه بالظهور في الداخل السعودي أيضاً، من دون أن ننسى عدم الاستقرار الحاصل على الحدود السعودية مع اليمن والبحرين وفي ظلّ استمرار الحرب بين إيران والولايات المتحدة منذ انتصار الثورة الاسلامية في العام 1979 وبالشراكة مع إسرائيل، هذه الحرب تأخذ عدة أوجه، تترجم راهنا باتباع الأساليب الارهابية ضدّ طهران، من تفجيرات تطال مواقع تخصيب اليورانيوم واغتيال العلماء الإيرانيين التي زادت وتيرتها في السنوات الاخيرة، كان آخرها إغتيال العالم النووي مصطفى أحمدي روشان، وذلك يتم في موازاة تشديد الحصار الهادف الى خنقها إقتصادياً تمهيداً لضربها من الداخل بعدما عجزت في الماضي عن تحقيق ذلك بما سمي بالثورة الملونة غداة الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي فاز بنتيجتها الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، هذا الحصار شمل أخيرا قطاع النفط بعد فرض حظر نفطي على إيران، وتساهم المملكة العربية السعودية في إنجاح هذه الإجراءات بعرضها زيادة إنتاج البترول للتعويض عن النقص الناتج عن توقف تصدير النفط الايراني، فقد بات واضحاً ان من أهم أهداف الحرب ضدّ الجمهورية الاسلامية، النيل من نقاط القوة لدى إيران، لمنعها من الانضمام الى نادي الدول النووية، والتي باتت على قاب قوسين من بلوغه، في حين تملك شعوبنا كلّ الحق في الإستفادة من مواردها الطبيعية، ومحاولة منعها من تحقيق ذلك يعود الى الذهنية الإستعمارية التي تمثلها اليوم الولايات المتحدة الأميركية ، فكل تقدّم للشعوب الأخرى على مختلف المستويات العلمية والاقتصادية والطبية والثقافية، يأتي على حساب الدول المهيمنة بحسب هذه الذهنبية، التي تخشى أن تحصّن هذه الدول الصاعدة من مناعتها في وجه التدخلات الخارجية.
  

Comments

Popular posts from this blog

الامبراطورية الاميركية تحولت الى أمة مستبدة تقوم على وهم القوة والبرازيل تتصدى لترامب بتفعيل "جسر البريكس"

النساء في إيران تتحدى سياسات التمييز ضدهن بفرض الحجاب...حدث رياضي تحول الى مهرجان "بشعر مكشوف"!

مصير حكومة نواف شبيهة بمصير حكومة عباس...والذي سيفاوض عن لبنان هو من يملك السلاح -نسيم بو سمرا