إرتدادت ما بعد الهزة في سوريا على لبنان
نسيم بو سمرا
فيما التطورات الميدانية في سوريا آخذة في التصاعد، ما يشير
الى ان طرفي النزاع ذاهبون الى النهاية في الحسم العسكري من دون وجود إشارات حتى
الساعة بإمكان التوصل الى حلّ سياسي، إستحوذت الملفات الامنية على واجهة الاحداث
الداخلية، وفي تطور بارز يعكس خطورة المرحلة ودخول لبنان على خط المسألة السورية
في شكل مباشر، أعلنت عشيرة عائلة المقداد خطف عناصر من الجيش
الحر في عدد من المناطق اللبنانية بالإضافة الى مواطن تركي وذلك للضغط على خاطفي حسان
المقداد في سوريا بهدف اطلاقه وحذرت العشيرة
كل من يحمي الجيش الحر في لبنان من مغبة الاستمرار في ذلك، هذا
في وقت تضاربت المعلومات حيال سلامة المختطفين الأحد عشر في سوريا بعد القصف الذي
تعرضت له منطقة اعزاز قرب الحدود التركية حيث
كان يحتجز المختطفون.
إلاّ انّ هذه التطورات المتسارعة لم تحجب مسار التحقيق مع
الوزير السابق ميشال سماحة في وقتٍ عيّن قاضي التحقيق
العسكري الأوّل رياض ابو غيدا جلسة ثانية من
التحقيق الاستنطاقي اليوم،
فيما أشارت معلومات صحافية ان سماحة عدّل في إفادته في الجلسة الأولى من
التحقيق، أكّد فيها ان تمّ استدراجه الى كمين
لفرع المعلومات.
وعلى رغم هذه الصورة القاتمة يتلهى تيار المستقبل وحلفائه بالرهان
على إسقاط النظام في سوريا ويذهبون بعيدا في حماستهم مبشرين بقرب انتصار الجماعات
الارهابية المسلحة، وهم يسقطون من حساباتهم ارتدادات ما بعد الهزة في سوريا على
لبنان، ارتدادات قد تحدث دمارا أكثر من الهزة نفسها، هذه الارتدادت تعمل عليها
الولايات المتحدة الاميركية منذ اليوم الاول لانطلاق الازمة في سوريا فتحاول تحت
عناوين زائفة مثل الديمقراطية وحقوق الانسان وتحرر الشعوب من الانظمة الدكتاتورية،
نشر الفوض من ايران مرورا بالعراق وسوريا وصولا الى لبنان بهدف ضرب محور الممانعة من
الداخل لإدراكها ان كلفة الحرب ضد هذا المحور ستكون باهظة كما انها غير مضمونة
النتائج في ظلّ التوازن الدولي الجديد الذي فرضته روسيا والصين الى جانب دول
البريكس ودول ألبا، هذا التوازن الجديد ألغى الاحادية الامبريالية التي تمثلها
الولايات المتحدة ويؤسس لتعددية الأقطاب في نظام عالمي جديد تتساوى فيه الدول وفق
حقوقها لا بالنظر الى مصالحها.
أمّا السؤال الأهم في هذا السياق: ماذا بعد إدخال لبنان في صلب
المسألة السورية، مع التذكير ان سياسة النأي بالنفس التي
اتبعتها الحكومة اللبنانية مسؤولة عن فتح الأبواب على مصراعيها لما نشهده اليوم من
فوضى في العلاقات اللبنانية السورية، وهذه السياسة نفسها سمحت لتيار المستقبل
وحلفائه بتوريط لبنان في ما يحدث في سوريا بعدما تخلت عن واجبها في ضبط حدودها، هي
الذهنية نفسها التي اتبعت في أواخر الستينات عندما تخلت الدولة اللبنانية عن دورها
في حماية مواطنيها في الجنوب، أدّى الى تحوله الى منطقة سائغة للعدو الاسرائيلي
والمنظمات الفلسطينية، ما دفع بالجنوبيين الى إنشاء مقاومة تمكنّت من خلالها من
تحرير لبنان بأكمله في العام 2000، وأيضاً عند تخلي السلطة السياسية عن دورها في
العام 1975 بعدم إنزال الجيش اللبناني لوقف التدهور الامني الذي بدأ آنذاك
باستباحة الفلسطينيين الأرض التي استضافتهم في مقابل تسلح الجماعات اللبنانية من
مختلف الطوائف والأحزاب، فعند غياب الدور
الراعي للدولة على مختلف الصعد الإجتماعية والصحية والاقتصادية والأمنية، يحق
للمواطنين أخذ حقهم بيدهم، والوضع اليوم شبيه بتلك المرحلة وينذر بانفلات أمني
خطير لن يسهل على احد إيقافه في حال عجزت السلطة السياسية عن
التحرك، فهذه السلطة لو قامت بواجبها في معالجة موضوع المختطفين في سوريا منذ
البداية، لما وصلت الأمور الى هذه الدرجة من التأزم.
لقد بات واضحاً من كلّ
ما يحصل أنّ الهدف الأساس منذ انتصار تموز في العام 2006 إلهاء حزب الله في الداخل
وتوريطه في فتنة أهلية لاستنزاف قدراته، وبالتالي ما لم يتمكن العالم من تحقيقه في
تلك المرحلة يمكن ان يتحقق راهنا، فيخسر
لبنان بذلك أحد أهم عوامل استقراره في الداخل، وعوامل قوته في مواجهة ما يخطط
لمنطقة المشرق العربي بأكملها، لأنّ المحور الذي سينتصر اليوم في سوريا، سيعيد رسم
خارطة المنطقة وبالتالي سيعيد صياغة النظام العالمي الجديد للمئة سنة المقبلة.
Comments
Post a Comment