مؤتمر جنيف 2 للسلام في سوريا في ظل اتجاه لتفجير الساحة اللبنانية



نسيم بو سمرا

تسير التحضيرات للسير في الحل السياسي للأزمة السورية، من خلال مؤتمر جنيف 2 المدعوم دولياً على وقع  التطورات الميدانية في القصير وريف دمشق، في ظلّ فرض الجيش السوري واقعا جديدا خلط الأوراق وفرض أولويات جديدة على الدول الغربية، وأعاد المبادرة لروسيا الراعية للمؤتمر، بعدما كانت الولايات المتحدة تتقدم عليها في مرحلة جنيف الاول، نتيجة المعطيات غير المريحة آنذاك للسلطات السورية؛ في وقتٍ يرتفع منسوب الاحتقان على الساحة اللبنانية، ترجم من خلال معارك طرابلس الاعنف في جولتها السادسة عشرة والتي تأتي كردة فعل كما في كل مرة تخسر فيها المعارضة المسلحة في سوريا مواقعها لصالح الجيش النظامي، في محاولة للتعويض عن هذه الخسارة على الساحة الشمالية في لبنان، الظهير الخلفي للمعارضة المسلحة السورية.
إلاّ انّ أخطر ما في هذا التفجير راهناً، الخشية من انفلات أمني أوسع، في حال سقوط القصير، وهذا السقوط سيكون بمثابة ساعة الصفر لانطلاق المجموعات التكفيرية في شمال لبنان لشنّ سلسلة تفجيرات ارهابية،  ستشمل جميع الاراضي اللبنانية، وتطاول أهدافا مدنية وعسكرية على حدّ سواء، وهذه الخشية ليست من نسج الخيال، بل تتقاطع مع معلومات أمنية وتحذيرات غربية على حدّ سواء، امّا الحجة المعلنة لتنفيذ الجماعات التكفيرية هذه الاعمال الارهابية، فتأتي ردا على تدخل حزب الله في معارك سوريا وبخاصة في القصير وريفها، وترجيحه الكفة لصالح السلطات السورية في وجه المعارضة المسلحة.
هي حجة ساقطة، والذي يعمل على تسويقها لتبرير أعماله مستقبلا، كشفت أهدافه، فيما الجهة التي اطلقت هذه الحجة منذ البداية، أي تيار المستقبل ونوابه في الشمال، كانت متورطة منذ بدء الازمة السورية، في إمرار السلاح والمسلحين عبر الحدود مرورا بريف القصير الى مختلف الجبهات في داخل سوريا، فضلا عن تحويلهم منطقة عرسال ووادي خالد الى مستشفى ميداني للجرحى السوريين واللبنانيين الذين يقاتلون النظام السوري، وتحويل المنطقة الى فندق لإستجمام قيادات وعناصر الجيش الحر والتكفيريين في جبهة النصرة، والاسوأ من هذا الدور الذي لتيار المستقبل مصلحة في تأديته، تورط سمير جعجع في هذا الاطار، وهو دور غير مستغرب ومتوقع في مختلف الاحوال، من شخص تميز خلال كل تاريخه بالغدر والخيانة والاجرام، وبتدمير المجتمع المسيحي، وقد أعاد الكرة اخيرا، بتضييعه فرصة تاريخية على استعادة حقوق المسيحيين، في تراجعه عن التزامه بدعم الاقتراح الارثوذكسي، وقد اصاب المنسق العام للتيار الوطني الحر بيار رفول عند وصفه جعجع بباشق الدنى.
يكثر الجدال  حول دور المسيحيين وموقعهم في الصراع الدائر في منطقة المشرق العربي والعالم، هذا الجدال يأخذ منحى أكثر جدية عند وقوع الازمات في المحيط ومدى انعكاسها على لبنان كما هو حاصل راهنا، ويشبه الى حدّ بعيد الوضع الذي كان سائدا غداة الحرب الاسرائيلية على لبنان في تموز 2006، والنظريات في هذا السياق أصبحت معروفة، من داعين الى الحياد او بسياسة النأي بالنفس، وهما مفهومان متشابهان في الاسلوب والنتيجة، الى الذين ينادون بالسير مع الولايات المتحدة الاميركية واسرائيل، إلا ان هؤلاء لا يقولون ذلك صراحة، بل يلجأون الى تبسيط الخطاب السياسي وتزييف المصطلاحات عندما يستخدمون المفردات في غير معناها ومدلولها، كالقول الا يجوز معاداة المجتمع الدولي لكي لا يتحول لبنان الى دولة مارقة كما يسمونها، اوالادعاء بان ما يسمى بالمجتمع الدولي يحتكر المدافعة عن حقوق الانسان وشرعة الامم المتحدة، وبات معلوما وواضحا زيف هذه الادعاءات بعد كل المآسي التي احدثتها هذه الدول الغربية في العالم بواسطة حروبها المستمرة حول العالم، فيما محور الممانعة في المقابل يدعو صراحة ومن دون مواربة الى الانخراط في المقاومة العسكرية في وجه الاعتداءات على ارضنا وشعبنا، وممارسة المقاومة الثقافية في وجه العولمة الثقافية الزاحفة على حضارتنا المشرقية، هذه العولمة التي يهدفون من خلالها إلى إستبدال عاداتنا وتقاليدنا المشرقية بثقافة أخرى غريبة عن معتقداتنا وتاريخنا.
 من هنا تكمن أهمية مسيحيي لبنان والمنطقة في التنبّه لما يخطط لهم، ممّا يستوجب منهم التمركز في المحور الصحيح، بعدما أصبح مخطط افراغ المشرق من مسيحييه في نهايته، بفضل الخريف الاسلامي الذي تمر به مختلف الدول العربية، وعلى المسيحيين المشرقيين تحديد موقعهم الإستراتيجي في الصراع الدائر في المنطقة وبالتحديد في سوريا، بناءً على أهداف الهجمة الدولية والاقليمية على سوريا، المتمثلة بضرب محور المقاومة، ما سيؤدي الى محاصرة ايران والقضاء على حزب الله، وبتحقيق ذلك تكون الولايات المتحدة قد أعادت عقارب الساعة الى مرحلة القطب الاوحد المتحكم بمصائر الشعوب وبالتالي تكمل بناء دعائم امبراطوريتها، على حساب دول البريكس الداعمة الأساس لمحور الممانعة والمقاومة، وعلى حساب كل الدول التي خرجت من تحت سيطرتها وتحررت من نير استغلال ثرواتها الطبيعية والانسانية لصالح الشركات الكبرى التي تسخر هذه الثروات لإشباع نهمها التجاري واعادة انتاج نظام عبودية جديد، ما سيعيدنا الى عصر ظلامي ظنّ الكثيرون انه ذهب الى غير رجعة، وهذا المخطط الشيطاني إذا جاز التعبير، في حال نجاحه، سيسمح للولايات المتحدة وحلفائها في العالم بإعادة انتاج النظام العالمي الجديد، الذي سيتحكم بالخريطة السياسية العالمية لمئات السنين المقبلة. 

Comments