عبوات المياه وأكواب البلاستيك بين الاستخدام الآمن والمضر بالصحة

نسيم بو سمرا
المقدمة:

يتميز لبنان بغزارة مياهه الجوفية، وقد أنعم الله عليه بطبيعة خلابة متنوعة بيولوجيا، حتى تحدّث البعض أنّ ما يعرف بجنة عدن، كانت تقع في لبنان، قبل أن يطرد الله الإنسان منها، وعلى رغم ان عالمنا يخضع لاقتصاد الندرة، ما زال لبنان بفرّط بثروته المائية، التي يهدر معظمها في البحر، وتغيب الارادة لدى معظم حكامه لتنظيم هذه الثروة، بهدف الحفاظ عليها من أجل الأجيال المقبلة.
تقوم شركات المياه باستثمار المياه التي مصدرها الجبال أو الآبار، بهدف بيعها في الاسواق كمياه صالحة للشرب، ولكن هل المياه المعبئة والمخصصة للشرب في لبنان، تخضع لمعايير الصحة العالمية من ناحية عدم التغيير بتركيبتها الأساسية، وهل تخضع للمراقبة من قبل وزارة الصحة العامة، المعنية بإعطاء الترخيص لشركات المياه؟
سنحاول الاجابة من خلال عرض عدة دراسات وآراء بعض الخبراء تسلط الضوء على عبوات المياه وأكواب البلاستيك بين الاستخدام الآمن والمضر بالصحة.


أولا: الأكواب والقوارير الآمنة وغير الآمنة
غالبا ما نجد مثلثات ومجموعة من الرموز والارقام والحروف أسفل مواد البلاستيك، بل في كل شيء مصنوع من البلاستيك… والمثلث يعني ان المنتج البلاستكي قابل للتدوير واعادة التصنيع. وكل رقم في داخله يمثل مادة بلاستيك معينة، والحروف هي اختصار لاسم البلاستيك المرادف للرقم في المثلث،  وثمة بعض التحذيرات والاخطار في حال غض المستهلك النظر عن معرفة انواع البلاستيك في وقت تبدو كل عبوات المياه والاكواب ومنتجات البلاستيك آمنة للاستخدام.
فالتوعية تأتي في الدرجة الاولى، وتاليا تطبيق المواصفات اللبنانية، ومن ثم مراقبة الجهات المعنية. فما الذي ينفذ من كل ذلك؟
بحسب رئيس قسم الطب الداخلي والعناية الفائقة في مستشفى جبل لبنان ومؤسس جمعية دعم الطب الوقائي في لبنان وفرنسا ورئيسها الدكتور ايلي نقولا فرح يقول: إن“معظم عبوات المياه واكواب البلاستيك المتوافرة في الاسواق اللبنانية آمنة، لكن ذلك لا يمنع ان يقرأ المستهلك المعلومات والمواصفات، ومن المفترض أن يعتاد المواطن على معرفة ماذا يأكل ويشرب. ومن البديهي ان يسلط الضوء على انواع البلاستيك التي نتناولها يوميا وعدم استعمال المواد الساخنة في الاوعية التي تحمل المثلثات المحذرة، اي غير الآمنة، والتي يمكن أن تسبب السرطان في حال تحلل بعض المواد فيها، اما اذا كانت المثلثات آمنة، فلا داعي للقلق بتاتاً”.

ثانيا: المثلثات الآمنة وغير الآمنة

ثمة اكثر من 300 مادة كيميائية او اخرى بلاستيك تحتوي على منتجات البلاستيك، تتغلغل داخل كل منزل وفي خارجه، ومعظمها غير ضار، وقد اثبتت عدم ضررها. لكن بعض المواد ضارة ولا يسلط الضوء عليها، خصوصا بعدما نشرت مجلة “Gemma” الطبية الاميركية عام 2008 مقالا ان كل الادعاءات التي كانت تشير اليها “هيئة الدواء والغذاء الاميركية” من ان مواد البلاستيك آمنة هي ادعاءات خاطئة. وقد اخذت الدراسة عينة من 1500 شخص عشوائيا ما بين 17 و79 عاماً، واظهرت ان نسب المواد الكيميائية داخل الجسم او تلك التراكمية تتعدى الحدود المسموح بها يوميا، مما يطرح سؤالا: كيف تفيد “هيئة الدواء والغذاء” ان هذه المواد آمنة في حين تعدّت الحدود المسموح بها؟”.
يحذر الدكتور فرح من أنَّ اي مواد بلاستيك، من مسحضرات او معقمات او عبوات المياه او اكواب او رضاعات الاطفال يلصق المصنفون اسفل المنتج مثلثا في داخله رقم او حرف مختصر يجب قراءته لحسن استعمال المنتج، وليس لسوء استعماله”.
اما الارقام فتقسّم من 1 الى 7. كل مثلث يضم الارقام 1 او 2 او 4 او 5 ارقام هو آمن وغير مضر بالصحة، واثاره ليست سلبية حتى على المدى البعيد، خصوصاً الرقم 5 الذي يتحمل درجة حرارة عالية اكثر من غيره. غير ان كل هذه المواد والمنتجات، والتي تحمل الارقام 3 او 6 او 7 داخل المثلث، “ليست آمنة، ويحذر استعمالها، وينبغي معرفة كيفية استخدامها، وفق الدكتور فرح. فعلى سبيل المثال، يجب الا تتعرض انواع البلاستيك هذه لدرجات الحرارة مطلقاً، ويجب ابعادها عن حرارة “المايكروويف”، وان لا تلامس المأكولات الساخنة، او ان توضع فيها سوائل، كالشاي والحليب والقهوة وما ، ويجب عدم تعرضها ايضا لاشعة الشمس او ان تترك داخل السيارة فترات طويلة، لان تعرضها لحرارة الشمس يمكن ان يحلل السائل الموجود في الكوب او العبوة، مما يحولها مادة سامة يمتصها الجسم، فيتسبب ذلك مع الوقت بامراض، منها السرطان، ويلفت الى انه غالبا ما نجد ان معظم عبوات المياه والقوارير المتوافرة في اسواقنا تحمل المثلث رقم 1 الآمن. فاذا كانت المياه باردة او ساخنة، او حتى تعرضت لاشعة شمس او للحفظ، لا يسبب ذلك اي مشكلة، لان المواد الممتزجة في المياه لا تشكل ضررا حتى عند التراكمات.

ثالثا: غسل العبوات والقوارير لاعادة استخدامها

تحذر أبحاث علمية من اعادة غسل العبوات او اعادة تنظيفها بفعل تأثير بعض المواد التي ظهر انها مسرطنة، وتتوافر في معقمات مستعملة في المنازل، اكان في الصابون المعقم ام في سائل التنظيف المعقم للجراثيم، أو حتى في معقمات اخرى للعبوات والقوارير والاكواب. وتحدد مادة “Triclosan” التي تبين ان تعرضها الدائم ومفعولها التراكمي داخل الجسم يمكن ان يحدث امراضا، منها السرطان، وتشير الى ان عبوة المياه البلاستيك صنعت للاستعمال الشخصي، اي مرة واحدة، والا كانت صنعت من الزجاج لاستعمالها طويلا. وينصح باستعمالها مرات قليلة، لا اكثر، تفاديا لانتشار الجراثيم والأمراض.

وقد حذرت دراسات عدة من أن إعادة استخدام الزجاجات البلاستيكية لمياه الشرب يمكن أن يؤدي إلى كإرثة صحية نتيجة تسرب أنواع من السموم إلى جسم الإنسان بفعل أي تغير حراري‏، فالبلاستيك المصنوع منه زجاجات المياه يحتوي علي مادة "بولي يوريثان" وهي مادة عضوية لها خواص كيميائية‏‏ متعددة تكسب البلاستيك المرونة المطلوبة والمتانة الشديدة‏,‏ ولكن تكمن خطورتها في أنها تتحول بفعل أي تغير حراري إلى مواد أخرى من مشتقات السينايد لها سمية عالية تصل للجسم من خلال تسربها للمياه أو أي سائل آخر يوضع داخل هذه الزجاجات‏,‏ وتنصح بحفظ المياه في الزجاجات المصنوعة من الزجاج وأن يكون استخدام زجاجات المياه البلاستيكية لمرة واحدة فقط وإذا اضطرنا للاحتفاظ بها فيجب ألا يتعدى ذلك أياما قليلة مع إبعادها تماما عن أي تغيرات حرارية‏.‏
وتوصي الأبحاث العالمية بعدم استخدام زجاجات المياه المعدنية البلاستيكية مرة أخرى في حفظ المياه‏,‏ كما يجب عند استخدام أكياس البلاستيك في الفريزر لحفظ الأطعمة وعدم استخدام الأكياس البلاستيكية لحفظ الأطعمة الساخنة لخطورة ذلك على الصحة‏.

رابعاً: توعية المستهلك وتطبيق المواصفات
بما ان مهمة معهد البحوث الصناعية في لبنان مساعدة الصناعة، وهو مؤتمن من خلال مراسيم تصدر عن مجلس الوزراء لحماية المستهلك والصناعة الوطنية، فما الدور الذي يقوم به على هذا الصعيد؟
يوضح المدير العام للمعهد الدكتور بسام الفرن، ان المعهد لا يملك سلطة رقابية، لان دوره يقتصر على حماية المستهلك والصناعة الوطنية والتاجر صاحب الضمير الحي، وفي موضوع البلاستيك، يشدد على أنه ضد مقارنة الصناعة الوطنية بالصناعة المستوردة ايا تكن، فثمة صناعة اجنبية جيدة وصناعة وطنية افضل منها، والعكس صحيح والمطلوب من اي عبوة تحوي اي سائل او مادة غذائية حدا ادنى تحدده المواصفات اللبنانية.
واذ يسأل الفرن عن دور السلطات الرقابية على هذا الصعيد، يشدد الى انه رغم توافر مقاييس المواصفات اللبنانية الصادرة عام 2002، والتي تعني بمسائل التغليف والتوضيب، وخصوصا مواد البلاستيك، فانها ليست الزامية حتى تاريخه، ويستغرب ان لا وزارة صناعة ولا وزارة اقتصاد لا حماية مستهلك ولا حتى معهد بحوث صناعي ولا أي جهة اخرى لديها صلاحية مراقبة المنتجات البلاستيكية المستوردة عبر الجمارك الى لبنان، وهي لا تتمتع بصلاحية فحصها للتأكد من مطابقتها للمواصفات اللبنانية.
وعن قوارير المياه بسعة 20 ليترا والتي تستخدم في المنازل فترة طويلة، يلفت الى “انها صنعت لتوفير مواد بلاستيك على البلد ولتوفير الكلفة الباهظة على المواطن"، لذا يجب سحبها من السوق بطريقة ما ونقلها الى المعامل لتنظيفها وتعقيمها واعادتها الى المستهلك بعد معالجتها”.
وهل تطبق شركات المياه هذه التوصيات، وهل ثمة من يراقبها ويشرف عليها؟ يجيب انه لا يعرف ما اذا كانت ثمة جهات تتحمل مسؤولية الامر، لكنه يؤكد في المقابل ان المسألة في حاجة الى اعادة نظر”، متسائلاً: “كيف يسمح لشاحنة على الطرق تحمل على سطحها المكشوف قوارير مياه تتعرض للشمس او للشتاء او لعوامل طبيعية ملوثة، لدى توزيعها على المستهلكين؟
الخاتمة:
إنّ قيام المشترع بنص القوانين العصرية، لا يكفي وحده لحماية المستهلك، بل يستلزم المراقبة اللاحقة على التقيد بهذه القوانين، وهذه المراقبة هي من صلاحية وزارة الصناعة ووزارة الاقتصاد وجمعية حماية المستهلك ومعهد البحوث الصناعي، والغائبون بشكل شبه تام عن القيام بدورهم الرقابي، والهيئات القضائية المعنية غير فعالة هي أيضا بملاحقة المرتكبين الذين يتاجرون بصحة الناس، وإلى حين قيام الدولة بواجباتها في حماية مواطنيها من النواحي كافة، يبقى على كل مواطن أن يراقب ويدقق في المنتجات البلاستيكية قبل شرائها، للحفاظ على صحته، وأن يلتزم بالارشادات والتوجيهات التي تعطى له من خلال أخصائيين، وفي المجلات المتخصصة ونشرات التوعية والبرامج الاذاعية والتلفزيونية التي تتناول هذا الموضوع. 



Comments

Popular posts from this blog

الامبراطورية الاميركية تحولت الى أمة مستبدة تقوم على وهم القوة والبرازيل تتصدى لترامب بتفعيل "جسر البريكس"

النساء في إيران تتحدى سياسات التمييز ضدهن بفرض الحجاب...حدث رياضي تحول الى مهرجان "بشعر مكشوف"!

مصير حكومة نواف شبيهة بمصير حكومة عباس...والذي سيفاوض عن لبنان هو من يملك السلاح -نسيم بو سمرا