من علي الطاهر الى باب المندب...كسر المشروع الصهيو- أميركي للمنطقة -نسيم بو سمرا
يخطئ من يظنن انه يمكن فصل لبنان عما يدور من صراع على النفوذ في المنطقة، فيما بات واضحا ان ايران نجحت في لجم اندفاعة العدو الاسرائيلي في لبنان ووضعت له حدودا، (طبعا لا علاقة للمفاوضات اللبنانية الاسرائيلية المهزلة), رغم استمراره في التدمير والتفجير والقتل، ولكن في الاستراتيجيا هزمت المقاومة مشروع الاحتلال طويل الأمد بحرب الاسناد التي شنتها ايران دعما للمقاومة في لبنان، المستمرة في خوض المعارك المباشرة بين تلال جبل عامل ووديانه، لحرمان العدو من الاستقرار في الاراضي التي يحتلها ولكن ما يلبث ان ينسحب منها، ومنعه من اقامة مراكز محصنة فيها؛
أما ما تكشف عن معركة علي الطاهر، فلا شك انه حصلت تسوية جنبت سقوط المزيد من الشهداء، بعدما استبسل رجال الله طوال ثلاثة أشهر من القصف اليومي، في الدفاع عن التلة وصدوا ثمانية عشر هجوما بريا، فشل بواسطتها جيش العدو بكل ترسانته وروبوتاته من السيطرة على نفق واحد من سلسلة انفاق تلة علي الطاهر، ما أجبر الاميركي على التدخل وبوساطة قطرية لاخراج طرفي النزاع من دوامة الاستنزاف، ما أدى الى انسحاب المدافعين الابطال من فتحة نفق لم يصلها الاسرائيلي، بعكس ما يسوق الاسرائيلي عن محاصرة التلة بشكل كامل، لتنتهي معركة علي الطاهر، بانسحاب المقاومين منها، ولكن من دون ان يسمح للاسرائيلي باحتلالها والبقاء فيها، وقد اعلن وزير الحرب الاسرائيلي بعد فشة خلق العدو من خلال تفجير بضعة انفاق بهذا الكم الضخم من التفجيرات، بأن جيشه سينسحب من التلة ويتراجع الى حدود المنطقة الامنية المزعومة.
من الناحية العسكرية هذا يعني ان كل مخططات العدو باستكمال انتشاره وتمدده بعد اسقاط علي الطاهر بهدف ربط مناطق التوغل والسيطرة في جنوب لبنان بمرتفعات جبل الشيخ وسفوحه وصولاً إلى الجولان، عبر التقدم نحو إقليم التفاح، جبل الريحان، وتومات نيحا المشرفة على البقاع الغربي، فشلت ميدانيا وتوقفت عمليا بتسوية كبرى حصلت ببن ايران التي هددت بعدم السماح بسقوط علي الطاهر، ونجحت في فرض هذه المعادلة، واميركا التي جمدت توسيع الصراع، على الاقل الى ما بعد الانتخابات الاميركية النصفية، بينما ايران تعزز أوراقها، من جنوب لبنان الى باب المندب، الذي سيطر عليه في اليومين الماضيين، انصار الله بعد معارك شرسة مع حلفاء السعودية في اليمن، فباتت ايران والحوثيون يمسكان اليوم بأخطر أوراق الضغط البحرية في المنطقة، مضيق هرمز للطاقة وباب المندب للتجارة بما يمنحهما قدرة على التأثير في شرايين التجارة العالمية وامدادات الطاقة.
إذآ في اليمن، سيطر أنصار الله على المخا وجزر استراتيجية، وهم كحلفاء لايران، اذا استطاعوا تثبيت سيطرتهم على المنطقة الساحلية الاستراتيجية تلك، تكون ايران بصدد تحقيق استراتيجية الخنق البحري المزدوج، اي السيطرة على نقطتي الاختناق الأكثر أهمية في الممرات البحرية العالمية للتجارة والطاقة العالمية، وهذا يعطي ايران قدرة على التهديد بتنفيذ سياسة "اذا لم نصدّر نفطنا، لن يستطع أحد تصدير نفطه في الخليج."
وبذلك تكون ايران من خلال معادلتي جنوب لبنان وباب المندب، نجحت في تعزيز أوراق القوة التفاوضية، فبدل أن تفاوض ايران على مضيق واحد باتت تفاوض على مضيقين، فيما تبقى خيارات الأميركيين محدودة، فاذا أراد ترامب وهو يريد بالتأكيد لانه دائما يختار التهور والخيار الخاطئ على الحكمة والخيار الصائب؛ فاذا اراد توسيع العمليات العسكرية نحو باب المندب، سيضعف ذلك جهود الحصار البحري في مضيق هرمز، بينما اذا اختار العودة الى قصف الحوثيين من جديد ، فهو خيار تمت تجربته سابقاً وأدى الى اتفاق ثنائي لم يخرقه أحدهما لغاية الآن.
يبقى لترامب خيار أخير لكن نتيجته ستكون غير فاعلة اذا ما قرر ان يدعم جويا ولوجستيا القوى التي تقاتل الحوثي، وهي اثبتت بعد انهيارها السريع امام الحوثيين، انها مشتتة وولاء قياداتها متعدد، بين السعودية والامارات، ولذلك سبفشل هذا الخيار ايضا بالاعتماد على هذه الجماعات الضعيفة والمفككة.
غياب الخيارات سيجبر الاميركي على اللجوء الى التهدئة، وتقطيع الوقت الى ما بعد الانتخابات النصفية، لان اللجوء الى المفاوضات اليوم غير وارد لحسابات انتخابية اميركية صرفة.
12/9/2026

Comments
Post a Comment