مضيق هرمز وأهميته الاستراتيجية لإيران والولايات المتحدة

مضيق هرمز وأهميته الاستراتيجية لإيران والولايات المتحدة

نسيم بو سمرا

كسبت الجمهورية الاسلامية الايرانية جولة من الكباش الحاصل بينها وبين الولايات المتحدة وحليفتها بريطانيا، وتمحورت هذه الجولة حيال  فرض السيطرة على الخليج الفارسي- العربي عبر التحكم بمضيق هرمز، تراجع في نهايتها المعسكر الغربي أمام حزم الموقف الإيراني، وهذا التراجع التكتيكي سببه عدم قدرة واشنطن على تحمّل تبعات محاولة فتح المضيق الذي كانت طهران جادة في تهديدها بإغلاقه ولم تكن تناور في هذا السياق، لأن إيران تدرك جيداً الأهداف الأميركية القائمة على خنقها إقتصادياً تمهيداً لضربها من الداخل بعدما عجزت في الماضي عن تحقيق ذلك بما سمي بالثورة الملونة غداة الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي فاز بنتيجتها الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد.  
كما بات معروفاً، يشكل مضيق هرمز ممراُ  لحوالي40% من النفط العالمي، وهذا الرقم قابل للزيادة مع اكتشاف حقول الغاز في محيط الخليج الفارسي ما يعطي القدرة لمن يسيطر على المضيق في التحكم بالشريان الرئيس للإقتصاد العالمي، ولا يمكن استبدال هذه الطريق بطرق أخرى من ناحية الجدوى الإقتصادية؛ لذلك تعمل إيران من موقعها الجيو- استراتيجي على استغلال هذا العامل بهدف حماية مصالحها، وقد أدّى هذا المضيق على مر التاريخ دوراً حاسماً  في رسم سياسات الدول المحيطة بالخليج الفارسي- العربي؛ فيما تسعى الولايات المتحدة الى خوض جولة ثانية ولكن من خلال استراتيجية جديدة تقوم على اتباع اسلوب الحرب غير المعلنة ضدّ ايران، فبرغم الفشل الذي منيت به الاستراتيجية الاميركية القائمة على الإحتلال العسكري المباشر، هي تنفذ حالياً استراتيجية ذكية تعيد إنتاج مشروعها بالسيطرة على منطقتنا، لأنها ترى أنّ أي حرب مقبلة مع إيران في هذه الظروف بالذات ستتوسع لتطال معظم دول المنطقة، وبخاصة بعد فقدان الولايات المتحدة لورقة التواجد العسكري على الحدود الايرانية في العراق، إضافة الى أخذها في الحسبان عدم قدرة الإقتصاد العالمي المهزوز أساساً من تحمل تبعات هذه الحرب ليس أقلها إرتفاع أسعار النفط، ما سيؤدي الى انهيار معظم إقتصادات دول الاتحاد الأوروبي وإضعاف إقتصادات كل الدول التي تسد إحتياجاتها من النفط بواسطة الإستيراد؛ هذه الحرب السرية التي تشنها الولايات المتحدة ضدّ إيران بالشراكة مع إسرائيل تتبع الأساليب الارهابية، من تفجيرات تطال مواقع تخصيب اليورانيوم واغتيال العلماء الإيرانيين التي زادت وتيرتها في السنوات الاخيرة، كان آخرها إغتيال العالم النووي مصطفى أحمدي روشان، فهذه العمليات التي تطال نقاط القوة لدى إيران، تهدف الى منعها من الانضمام الى نادي الدول النووية، والتي باتت إيران على قاب قوسين من بلوغه.
تدرك الجمهورية الاسلامية جيداً ما يجول في العقل الأميركي، وهي تمكنت بفضل ذلك من استباق خطوات واشنطن على مختلف الصعد، وأهمها مثال السيطرة على طائرة التجسس الأميركية الحديثة الصنع، وللتذكير فقط، فإن هذه الطائرة صنعت في العام 2009 وجهزت بأحدث التكنولوجيا، وعلى رغم ذلك تمكن العقل التكنولوجي الإيراني من فك رموز هذه الأسرار التقنية، بتقنية أكثر تطوراً، ما فاجأ الجميع. 
ففي ظل هذا التنافس الحاد، تحاول الولايات المتحدة إستنزاف محور الممانعة لمنعه من ملئ الفراغ الذي خلفته بعد انسحابها العسكري من بلاد الرافدين، هذا المحور الممتد من إيران مروراً بسوريا ولبنان وصولا الى غزة، تشير جميع المؤشرات الى أن العراق على وشك الإنضمام اليه، ما دفع واشنطن الى توكيل تركيا بمهمة المحرض بين مكونات الشعب العراقي المختلفة، ما سينتج عنه في حال نجاحه، صراعاً طائفياً أشدّ دموية ممّا شهدناه حتى الآن يؤدي في النهاية الى تقسيم العراق؛ هذا الدور التركي شبيه الى حد بعيد بالدور الذي تؤديه راهناً في سوريا.
إنّ العلاقات بين الدول تبنى على المصالح المشتركة، فتكون إمّا طبيعية تستند الى تعزيز الروابط بين الشعوب، وتعتمد على التعاون من النواحي الاقتصادية والدبلوماسية والسياسية والثقافية...الخ، أو تكون علاقات مأزومة، تعتمد نهج المقاطعة والتحدي، وتؤدي في معظم الحالات الى الحرب بمختلف أشكالها من إقتصادية وثقافية وعسكرية، أمّا الحرب الإقتصادية فلا تقل ضرراً عن تلك العسكرية لا بل تمهد للحرب العسكرية، وما يحصل مع إيران اليوم يندرج في هذا الإطار، إذ أن سياسة العقوبات المتبعة منذ انتصار الثورة الاسلامية في العام 1979 وحتى اليوم، يعتبر بمثابة إعلان الحرب ليس فقط على النظام الإيراني بل على الشعب الإيراني، وكل من يساهم في حصار ايران يضع نفسه في ساحة المواجهة، ويجمع الخبراء في هذا السياق على أن ما تقوم به المملكة العربية السعودية التي سارعت الى عرض زيادة إنتاج البترول للتعويض عن النقص الناتج في حال فرض حظر نفطي على إيران، يصنف في خانة استكمال حلقة تضييق الخناق على إيران، وسيعرّض بالتالي المنطقة برمتها لضغط كبير يمكن أن يؤدي الى الإنفجار، على وقع الحراك الشعبي في مختلف دول المنطقة، والتي لن تتمكن أي دولة من النأي بنفسها عنه، هذا الحراك بدأت عوارضه بالظهور في الداخل السعودي أيضاً، من دون أن ننسى عدم الاستقرار الحاصل على الحدود السعودية مع اليمن والبحرين، وقد حذرت ايران أخيراً، السعودية من التورط في هذا المسار الخطير الذي سينعكس بالتأكيد على التركيبة السعودية الهشة أصلاً.
وكما هي الحال في الملف السوري، يقف تضارب مصالح الدول ذات الوزن، حائلاً  أمام محاولات ما يسمّى بالمجتمع الدولي، إعطاء مشاريع استهداف ايران الصفة الشرعية، من خلال إمرارها في مجلس الأمن الدولي، فالأمم المتحدة تعكس توازن القوى على الساحة الدولية؛ من هنا، فإنّ روسيا والصين الى جانب دول ما يعرف بالـــ " بريكس" إضافة الى دول " ألبا "، يشكلون المعسكر الذي يواجه حاليا المعسكر الغربي، والذي لن يخلي أي ساحة من الساحات في العالم مهما كانت درجة أهميتها، ومن يرسم خارطة هذه المنطقة على وجه الخصوص، يعيد بالتالي صياغة النظام العالمي الجديد، لمئات السنين المقبلة.
21/1/2012

Comments

Popular posts from this blog

الامبراطورية الاميركية تحولت الى أمة مستبدة تقوم على وهم القوة والبرازيل تتصدى لترامب بتفعيل "جسر البريكس"

النساء في إيران تتحدى سياسات التمييز ضدهن بفرض الحجاب...حدث رياضي تحول الى مهرجان "بشعر مكشوف"!

مصير حكومة نواف شبيهة بمصير حكومة عباس...والذي سيفاوض عن لبنان هو من يملك السلاح -نسيم بو سمرا