هل جاء رد جعجع على السيد نصرالله في مكانه؟
من المقبول جداً أن يناقش رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع بالسياسة، حزب الله، لا بل من المعقول مناقشة حزب الله بخياراته وأسلوبه وحتى نظرته لمستقبل لبنان، وهو ما يندرج ضمن إطار النظام الديمقراطي، لكن ما ليس مفهوماً أن ينتقد سمير جعجع تاريخ حزب الله المشرف في الحرب اللبنانية وما بعد الحرب اللبنانية.
والسؤال المطروح هنا، في حال أردنا تفنيد رد سمير جعجع على الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، هل كان يرد التهم عنه أو عن حزب القوات اللبنانية؟ مع العلم أن السيد نصرالله وجه الاتهام الى جعجع بشخصه ولم يأتِ حديثه في إطار السرد التاريخي لمرحلة الحرب اللبنانية ولا لأداء القوات اللبنانية فيها، بل تناول نقطة محدّدة في ما خصّ المجازر التي اتهم جعجع بارتكاب بعضها وأدين أمام القضاء بالبعض الآخر؛ وقبل الغوص في صلب الموضوع نذكّر بأنّ مسار استغلال الشهداء في لبنان الذي يتبعه فريق تيار المستقبل وحلفاؤه في 14 آذار، سبقهم إليه جعجع، الذي يملك الحقوق الأدبية في هذا الإطار.
كان من الضروري التذكير بهذه النقطة للإنتقال الى الموضوع الأساس، لأنّ من يتاجر بدم شهدائه وشهداء غيره بادعائه انتسابهم الى حزبه، لا يصعب عليه تزوير التاريخ وادعاء بطولات هي من صنع غيره؛ فقائد القوات اللبنانية تبوأ مراكز المسؤولية في القوات بفعل الإنقلابات والإنتفاضات، وبنى أمجاده على دماء الشباب المسيحي، وهو راكم ثروته بواسطة فرض الخوات على المسيحيين في المناطق الشرقية، ومن المبالغ الطائلة التي حصّلها بفعل المجزرة البيئية التي أحدثها في جرود كسروان ومناطق متعدّدة في ما كان يعرف بالمناطق المسيحية بعد طمر مئات براميل النفايات السامة الآتية من إيطاليا، من دون أن ننسى صفقة العصر التي قام بها ببيعه معظم سلاح القوات اللبنانية الى البوسنة والهرسك في العام 1991، واللآئحة تطول في حال أردنا تعداد المجازر والإغتيالات التي ارتكبها جعجع بحق زعماء ورؤساء ومسؤولين وسياسيين ورجال دين وضباط جيش، والحروب التي خاضها كانت نتيجتها مئات الآلاف من القتلى والجرحى والمهجرين، أبرزها حرب الإلغاء التي شنها على الجيش اللبناني في 31 كانون الاول 1989 والتي تجاوزت فظاعتها تلك التي شنها تنظيم فتح الاسلام على الجيش في مخيم نهر البارد في العام 2008 من دون أن ننسى مشاركة قوات جعجع الى جانب القوات السورية في اجتياح المناطق الحرة في 13 تشرين الأول 1990؛ إلاّ أن هدفنا لا يكمن في زيادة الإنقسام في الشارع اللبناني، بل أردنا فقط من خلال هذه العناوين تسليط الضوء على بعض المحطات الرئيسة التي طبعت تاريخ جعجع، وإبراز التمايز بين شخصه والقوات اللبنانية التي سلكت هذا المنحدر منذ استلامه قيادتها بعدما حولها الى ميليشيا خاصة به، وهو أكمل سيطرته النهائية عليها اليوم بعد إقصاء منافسيه من قدامى القوات وتحويلها الى حزب أسماه القوات اللبنانية.
لكل جماعة الحق المطلق في تشكيل تجمع سياسي بهدف تحقيق تطلعاتها، تملك برنامجاً تسعى لتنفيذه وتستند الى مبادئ وأفكار تبلورها في إطار تنظيمي سياسي يعرف بالحزب أو التيار...الخ، ولكن ليس مسموحاً أن يشكل هذا الحزب أو التيار غطاءً لتحقيق مآرب غير مشروعة على حساب سلامة المجتمع وأمنه، وهذا بالتحديد ما أشرنا اليه آنفاً، فكل التجاوزات السابقة لقوات جعجع حصلت تحت عنوان " أمن المجتمع المسيحي فوق كل اعتبار"، في الوقت الذي كانت تمرّر فيه المخططات والمشاريع التي أدت الى تدمير هذا المجتمع الذي ما زال حتى اليوم يلملم جراحه، والسيناريو يتكرر راهناً بنفس الأشخاص ولكن على خشبة مسرح مختلف.
فهل ينطبق علينا القول بأنّ ذاكرة اللبناني الجماعية قصيرة، وبأنّ التاريخ يعيد نفسه لدى الشعوب الغبية؟ وغيرها من المقولات التي نرددها ولكن لا نفعل شيئاً للحؤول دون حصولها، أمّا الجواب فنتركه للإستحقاقات العديدة المقبلة التي سيظهر بنتيجتها مدى الوعي الشعبي؛ فنحن مدعوّون الى وقفة تأمل، والى حسم قرارنا منذ الآن، لكي تكون هذه الإستحقاقات فرصة نحقق من خلالها آمالنا وأحلامنا، لنستحق كلبنانيين فعلا لا قولا، صفة الإبداع.
Comments
Post a Comment