مؤتمر أصدقاء سوريا وسياسة لبنان النأي بالنفس

نسيم بو سمرا
على رغم الرهانات المرتفعة من الدول الغربية وجامعة الدول العربية على المؤتمر الدولي لما سمي أصدقاء الشعب السوري الذي عقد نهاية الاسبوع الفائت في تونس، بمشاركة ممثلين عن حوالي ستين دولة ومقاطعة روسيا والصين وغياب لبنان، فشل هذا المؤتمر في تحقيق غاياته حتى قبل أن يبدأ، مع الإشارة الى أنّ مقرراته جاءت مخيبة للآمال على حدّ تعبير رئيس المجلس الوطني السوري برهان غليون الداعي لهذا المؤتمر، وسبب الفشل جاء نتيجة تشرذم المعارضة السورية، الذي برز مع مقاطعة هيئة التنسيق السورية المعارضة لأعمال المؤتمر، عازية هذه الأمر لسببين: الأول أن القوى السورية المشاركة ومن ضمنهم المجلس الوطني السوري لا تمثل الشارع السوري، والثاني بأنّ عرّابو المؤتمر يصرّون على اتباع المسار العنفي كحل وحيد للأزمة في سوريا، فيما ترى هيئة التنسيق أنّ الحل السلمي ما زال متاحاً، وسط انشغال السوريين بدستورهم الجديد بعد نيله نسبة عالية من التأييد في الإستفتاء الشعبي الذي أجري عليه الأحد الفائت.
إلاّ أنّ الهدف غير المعلن من إقامة هذا المؤتمر كان أهم من الأهداف الموضوعة على جدول الأعمال، وهو توحيد المعارضة السورية، وبالتالي يكون المؤتمر قد فشل أيضاً في تحقيق هذا الهدف الذي يشكل المدخل لأي تدخل أطلسي مستقبلا في سوريا؛ وعلى وقع التعليق الرسمي السوري على مؤتمر أصدقاء سوريا، الذي وصفه بمؤتمر أعداء سوريا، نأى لبنان بنفسه من خلال قرار عدم تلبية الدعوة الموجهة اليه للمشاركة؛ هذا الموقف جاء انسجاماً مع سياسة النأي بالنفس التي تتبعها الحكومة اللبنانية منذ بدء الازمة السورية، ونحن معنيون بالإجابة عن التساؤلات العديدة في هذا الإطار نظراً لخطورة الوضع السوري وتأثيره المباشر على لبنان مهما كانت الصورة في سوريا بعد انتهاء الأحداث فيها.
والسؤال الأساس المطروح: ما معنى مقولة النأي بالنفس؟ والتفسيرات متعدّدة في أحسن الأحوال ومتناقضة في معظمها، وكما في كل المواضيع الخلافية بين اللبنانيين، تأتي التبريرات في قوالب جاهزة، بحسب مصلحة مفسريها، وهنا يتساءل الكثيرون: ما هي الخلفية من وراء هذه النظرية، وبخاصة أنّ الإجماع عليها غير متوافر حتى بين مكونات الحكومة، وهل فعلاً تجنب هذه السياسة لبنان، إرتدادات ما يحصل في سوريا؟ 
في هذا السياق ينقسم اللبنانيون الى ثلاثة أفرقاء، الفريق الأول يؤيد نظرية النأي بالنفس بالمطلق، وهو الذي استنبطها في الأساس ويتمثل برئيس الحكومة نجيب ميقاتي ورئيس الجمهورية ميشال سليمان وينطلق من حسابات خاصة تقوم على الهروب الى الأمام لعدم اتخاذ أي قرار، أكان سلبياً او إيجابياً؛  فيما الفريق الثاني يرفضها بالمطلق ويضم الى جانب تيار المستقبل وحلفائه، رئيس جبهة النضال الوطني النائب وليد جنبلاط، مع العلم ان هذا الفريق نفسه نادى في السابق بالحياد الإيجابي وبإبقاء لبنان خارج المحاور وبلبنان أولا، الى ما هنالك من عناوين تناقض أدائه الحالي تجاه الأزمة السورية؛ أمّا الفريق الثالث وإذ يؤيد هذه السياسة في المبدأ لسبب وحيد أنها تساعد في الحفاظ على السلم الأهلي، يرى أن تطبيقها على أرض الواقع جاء مشوهاً بما ينسف أساس وجودها، ويضمّ هذا الفريق تكتل التغيير والإصلاح وحزب الله وحركة أمل.
وفي مطلق الأحوال، لا يختلف إثنان على أنّ هذه السياسة المسماة النأي بالنفس لا تقنع أحداً، وبخاصة الدولة السورية المعنية الأساس بالموضوع، والتصريحات السورية واضحة ومتكررة في هذا الإطار وهي تبدي امتعاضها من استمرار تدفق المسلحين والسلاح الى سوريا من لبنان، والمواقف التي يطلقها السفير السوري لدى لبنان عبد الكريم علي، خير دليل على ذلك؛ وبالتالي بدأت هذه السياسة الرسمية تؤثر سلباً على الاستقرار الداخلي في لبنان، ولا تغني التحفظات التي تبديها الدبلوماسية اللبنانية في المحافل العربية والدولية على القرارات في حق سوريا، من خلاصة ما آلت اليه هذه السياسة على أرض الواقع،  والتي يمكن ان تفتح الأبواب على مصراعيها لأي تدخل سوري مباشر مستقبلاً على الأراضي اللبنانية، في ظل غياب المظلة السياسية للعمليات الأمنية التي يقوم بها الجيش اللبناني على الحدود الشمالية، والهادفة الى وقف تهريب السلاح من لبنان ووقف دخول المسلحين الى سوريا.
هذه المعادلة القديمة الجديدة تحتاج لفهمها الى مراجعة تاريخ العلاقات بين البلدين التي لطالما شكلت مدّا وجزر، وذلك وفقاً لانعكاس العلاقات مع الدول العربية الأخرى عل كل من البلدين من جهة، وبالقوى الاقليمية والدولية من جهة أخرى، الى جانب عدم الاستقرار الذي كانت تتخبط فيه سوريا نتيجة الإنقلابات الدائمة  قبل مجيئ حزب البعث الى الحكم، وإحكام قبضته على الدولة والمجتمع في بلاده، ومقاربة علاقته مع لبنان بشكل مختلف عن أسلافه، ارتكزت على نظرية أنّ لبنان يشكل الخاصرة الرخوة لسوريا، والتي أسست لتدخل سوري مباشر في الشؤون الداخلية اللبنانية ، أدت بالنتيجة الى دخول الجيش السوري الى لبنان في بداية الحرب الأهلية في العام 1976، وبنى عليها النظام السوري لإبقاء جيشه في لبنان؛ هذه النظرية أزكتها لاحقاً الهجمة الدولية على سوريا ابتداءً من العام 2005 بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، واليوم جاء أداء  تيار المستقبل وحلفائه من خلال دعمه المعارضة المسلحة في سوريا من الناحية الاعلامية والسياسية واللوجستية، لتأكيد صحة نظرية الخاصرة الرخوة.
يتمحور المنطق البديهي في هذا الإطار حول حكمة بعض الأفرقاء السياسيين بالتورط في الصراع الداخلي في سوريا بامتداداته الدولية المتشابكة وبعد انسحاب سوريا من لبنان، معيدين الى الذاكرة تلك المرحلة التي كانت تشكل فيها بيروت مدينة مفتوحة لجميع أجهزة الاستخبارات العالمية والعربية والتي كانت تجند لبنانيين وسوريين لتحقيق مؤامراتها في كلا البلدين، ويعيد التاريخ نفسه اليوم بواسطة قوى الرابع عشر من آذار المتآمرين على لبنان قبل سوريا، وهم في استحضارهم للشعارات الرنانة في كل استحقاق داخلي إنما غايته تقديم الحساب أولا للخارج أيّا كان هذا الخارج، نتيجة إرتهانهم لمشيئته، وثانياً لإقناع جمهورهم بأدائهم السياسي المشبوه في الداخل.

Comments

Popular posts from this blog

الامبراطورية الاميركية تحولت الى أمة مستبدة تقوم على وهم القوة والبرازيل تتصدى لترامب بتفعيل "جسر البريكس"

النساء في إيران تتحدى سياسات التمييز ضدهن بفرض الحجاب...حدث رياضي تحول الى مهرجان "بشعر مكشوف"!

مصير حكومة نواف شبيهة بمصير حكومة عباس...والذي سيفاوض عن لبنان هو من يملك السلاح -نسيم بو سمرا