هل ينفرط عقد الحكومة بسبب ملف التعيينات؟
نسيم بو سمرا
ملف التعيينات الذي يمكن أن يؤدي جدياً هذه المرة الى انفراط العقد الحكومي، ملف مزمن أدّى الى تراكم المشكلات في الإدارة التي تبلغ نسبة الشغور فيها حوالي 80%، وفي كل مرّة كان موضوع ملئ الشواغر يطرح على النقاش في الحكومات المتعاقبة منذ الطائف وحتى اليوم، كان يتمّ تأجيل البت به بسبب منطق المحاصصة والتوظيف الزبائني الذي يخضع له، وقد آن الأوان لهذا الملف الحيوي الذي لا يمكن لعجلة الإدارة أن تسير من دونه، أن يوضع على السكة الصحيحة، ولكن كيف يتمّ ذلك وما هي الآلية التي يجب اتباعها، طالما كل فريق يقارب المسألة من ناحية مختلفة؟
الجواب يتمحور حول الهدف الذي يسعى إليه كل طرف من الأفرقاء الذين يشكلون الحكومة، وكما بات معروفاً، يقع الخلاف هنا بين مدرستين، الأولى قديمة وهي المسؤولة عن الوضع المتأزم الذي نشهده راهناً على مختلف الصعد وتسمّى بالمدرسة الحريرية، والثانية مدرسة التغيير والإصلاح التي تحاول معالجة الأمور العالقة بمقاربة مختلفة، يقودها تكتل التغيير والاصلاح وتعتمد نهجاً جديداً قائماً على الشفافية ومحاربة الفساد.
الهوة شاسعة بين المدرستين ولا يمكن ردمها، وأي تسوية بينهما تصبّ حكماً لصالح الأولى، وفي هذا السياق يحاول الفريق الذي يسمّي نفسه بالوسطي التوصل لهذه التسوية، في الوقت الذي بات فيه مكشوفاً بفعل أدائه الحكومي، وآخر محطاته كانت في الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء، ما يؤكد عدم صحة ادعاءات هذا الفريق بالوسطية، بل هو يشكل في الواقع استمراراً لنهج الحريرية السياسية وهذا النهج تتلخص أهدافه بالهيمنة على الحياة السياسية في الداخل وإعطاء الأولوية للمصالح الغربية على حساب المصلحة الوطنية، وبعيداً عن الغوص في تفاصيل أداء تجربة حكومة الوحدة الوطنية برئاسة سعد الحريري الذي حتّم سقوطها في نهاية الأمر، يقوم رئيس الحكومة نجيب ميقاتي راهناً بتكرار هذه التجربة، ومن إحدى تجلياتها افتعاله لمشكلة التعيين الأخيرة؛ مع العلم أنّ المركز الشاغر يتبع للطائفة المسيحية وفي هيئة رقابية حساسة، وهو لم يستشر وزراء تكتل التغيير والإصلاح المعنيين الوحيدين بهذا التعيين.
بات واضحاً أنّ حسابات ميقاتي وحلفاءه في الحكومة لا تنسجم مع توجهات الأكثرية، وإن كان أداء هذه الأكثرية غير منسّق وغير متجانس حتى اليوم، وهو ما يشجع ربما ميقاتي على اتباع سياسة الابتزاز إضافة الى استغلاله للوضع الإقليمي وخاصة الوضع السوري الذي تحرص الأكثرية على عدم ارتداده الى الساحة اللبنانية؛ إذاً جاءت هذه المشكلة المفتعلة للتهرب من الإستحقاقات الداهمة وأبرزها مسألة تجديد بروتوكول المحكمة الدولية الخاصة بلبنان بعد أن قام ميقاتي بتهريب تمويلها متخطياً صلاحياته الدستورية، واليوم يحاول من خلال حجة التعيين شل عمل الحكومة لإدراكه أنّ موضوع تجديد البروتوكول سيسقط حكماً بالتصويت في مجلس الوزراء نظراً للمعادلة الراهنة في الحكومة، ولكن كيف يمكن لميقاتي تعليق عمل الحكومة في الوقت الذي لم يعتكف أو يستقيل؟ إنها بكل بساطة مخالفة للدستور وسابقة تحصل لأول مرة في العمل الحكومي في لبنان.
هذا العامل السياسي على أهميته لا يلغي عامل التخبط الإداري الذي تعاني منه المؤسسات، ما أدّى الى تشريع الباب على مصراعيه أمام تحكم السياسة بمفاصل
الإدارة، فالقوانين الإدارية في لبنان والتي تعاني من حالة الجمود نتيجة التشريعات التي مرّ عليها الزمن، لم تعد تصلح لإدارة شؤون الدولة، فالعمل الإداري يجب أن يتمتع بأداء فعال يحل الأمور العالقة والمستجدة بالسرعة اللازمة بغية تحقيق الحاجات المطلوبة، والإدارة العامة تحتاج الى تجديد دائم بغية إستمرار إنتاجيتها، ما يوجب إبقاء الترابط في الإطار التنظيمي بين السلطتين السياسية والإدارية، ويحتّم سيرهما على الإيقاع نفسه؛ ففي موزاة التفاعل المفقود بين الوزارات من جهة، والفريق الإداري التابع لكل وزارة والوزير فيها من جهة أخرى، تبرز مسألة غياب آليات العمل المشترك بين مؤسسات الدولة.
إلاّ أنّ جوهر المشكلة يبقى في التطاول على صلاحيات الوزير الذي له الحق في اقتراح الأسماء لملئ الشواغر في وزارته، في حين نرى في المقابل أنّ المدراء العامين يملكون سلطة أقوى من سلطات الوزير ويمكن لمدير عام عرقلة خطة الوزير في الوزارة التي يترأسها، وذلك مردّه الى أنّ المدير العام ثابت في إدارته بينما الوزير يتغير على الدوام، وليس من السهل بحسب القانون أن يتمّ تغيير أو نقل المدراء العامين، وفي الوقت الذي يخضع فيه الوزير للمساءلة أمام الرأي العام في مدى نجاحه، يبقى المدير العام بعيداً عن أي مساءلة. فمنطق الأمور يقول بأنّ القرار يعود للوزير في وزارته وبالتالي له الحق في اختيار فريق العمل الذي ينسجم مع أجندته وعلى رأسه المدير العام، ولكن ما يحصل على أرض الواقع مغاير، في ظلّ تعددّد ولاءات موظفي الدولة اللبنانية، من مختلف فئاتهم وبخاصة الفئات الثلاث الأولى، للمرجعية التي عينتهم وليس للدولة، إضافة الى تبعيتهم للمذهب الذين ينتمون إليه، فتغيب بنتيجة هذا الواقع المشاريع المنتجة وتضيع حقوق المواطنين.
Comments
Post a Comment