ما مدى أهمية وجود تكتل التغيير والإصلاح في السلطة؟
نسيم بو سمرا
تستمد الأحزاب شرعيتها من خلال مناصريها والمؤيدين لبرنامجها السياسي، وبقدر ما تتسع دائرة مناصريها، بقدر ما يزيد تأثيرها في القرار، نتيجة ما تفرزه الإنتخابات المحلية على المستوى البلدي والإنتخابات العامة على المستوى البرلماني، ما يعطيها الأكثرية التي تؤهلها السيطرة على الحكومة وبالتالي على القرار.
هذا التعريف لقواعد العملية السياسية ينطبق في شكل عام على كل البلدان الديمقراطية، ولكن يبقى لكل بلدٍ خصوصيته حيث تتفاوت درجة التفاعل بين الكتل الناخبة من جهة، وبين المجالس المحلية والسلطة المركزية من جهة أخرى، وذلك مرتبط بدوره بمدى تطور آليات العمل المشترك بين مؤسسات الدولة؛ ومن هنا ندرك أهمية النظام الإنتخابي الذي يجب أن يعكس الواقع التمثيلي للقوى السياسية، ويشكل الإطار الذي تنطلق منه عملية تجديد الحياة السياسية.
أمّا في لبنان تحديداً، وعلى رغم عدم توافر الأسس التي يبنى عليها لتجديد الحياة السياسية بشكل دوري، يعمل التيار الوطني الحر على إرساء نهج إصلاحي في الحكم، يمهد للإنتقال الى حالة من الإستقرار الإجتماعي وهذا الإستقرار هو الشرط الأساس لتحقيق التغيير.
إنّ تجربة تكتل التغيير والإصلاح في السلطة تشكل نموذجاً في سجل الممارسة السياسية في لبنان، على رغم حداثتها وفي ظلّ الظروف الراهنة التي تناولها العماد ميشال عون قبل يومين أمام كوادر ومسؤولي التيار الوطني الحر، شارحاً الإستهداف الذي يتعرض له وزراء التكتل والعراقيل التي توضع في طريقهم لمنعهم من تحقيق قفزة في اتجاه بناء الدولة، واتهم المسؤولين بإعادة إنتاج نهج الحريرية السياسية بهدف إبقاء الدولة شركة مساهمة، جازماً أنّ حسابهم سيكون أمام القضاء.
وفي عرض سريع لما تحقق حتى اليوم، نرى أنّ وزراءنا نجحوا في وقف التدهور في وزاراتهم والمستمر منذ عقدين، وأعادوا الإنتاجية فيها، وتبقى المعركة الفاصلة في سياق تصحيح الأداء الحكومي. أمّا إنجازات التكتل في السلطة التشريعية فلا تقل أهمية، بدءاً من دوره الرقابي في اللجان النيابية، الى مشاريع القوانين التي تقدّم بها، والعدد الأكبر منها أقرّ بقوانين، إضافة الى إعادة الإعتبار للمؤسسات الدستورية، والهيئات الرقابية.
ونذكر هنا بعض المعارك الرئيسة التي خاضها تكتل التغيير والإصلاح في هذا الإطار وأهمها في ما خص المجلس الدستوري، وفي ملف التعيينات الإدارية، وفي لجنة المال والموازنة التي فتحت الملفات المالية وكشفت الهدر والسرقات في وزارة المالية منذ العام 1993، وجاء تقرير صندوق النقد الدولي ليثبت ما توصلت إليه لجنة المال، فيما يعمل التكتل لرفع الوصاية السياسية عن القضاء اللبناني، وهو كان واضحاً في رفضه مصادرة دوره من القضاء الدولي المتمثل بالمحكمة الخاصة بلبنان التي استباحت أمن المواطنين بالتعاون مع بعض الأجهزة الأمنية اللبنانية، ووقف التكتل في وجه تسييس هذه الأجهزة والمحاولات الإنقلابية التي قامت بها، وكذلك أعاد تفعيل دور مجلس شورى الدولة من خلال الأخذ برأيه كما حصل في موضوع زيادة الأجور، ويخوض التكتل معارك مستمرة بالتصدّي للمشاريع المشبوهة التي تتيح بيع الأراضي للأجانب، ومشروع القانون الذي تقدّم به التكتل للحد من تملك الأجانب في لبنان يناقش راهناً أمام لجنة الإدارة والعدل، وفي هذا السياق نشير الى ما حصل في جلسة مجلس الوزراء الأخيرة في الخامس والعشرين من الجاري، حيث أوقف وزراء تكتل التغيير والإصلاح مشروعين لمستثمرين عرب، الأوّل في بلدة فالوغا في المتن الأعلى، والثاني في مدينة جونية على شاطئ منطقة الصفرا: المشروع الأول يخالف القانون رقم 296/2001 الذي يحدد مهلة خمس سنوات للمالكين غير اللبنانيين لتنفيذ المشروع الذي على أساسه أعطي الترخيص بشراء العقار، هذه المهلة إذا مرّت من دون أن يبدأ التنفيذ، تسترد الدولة بعدها العقار فتبيعه بالمزاد العلني يعود فيها السعر الأصلي الى الشاري الأجنبي، أما باقي المبلغ فيدخل الى الخزينة العامة، وتنطبق هذه المادة على مشروع فالوغا الإستثماري، إذ أنّ العقار تمّ شراؤه منذ أكثر من سبع سنوات، أمّا المشروع الثاني في الصفرا فهو يخالف رأي التنظيم المدني بعدم السماح بالبناء على الشاطئ بحسب تصنيف المنطقة الذي لا يجيز تغيير معالم الشاطئ الصخرية بإقامة أشغال بناء عليها؛ ففي الحالتين، يخالف طلب الترخيص القانون، وجاء رفضهما من قبل الحكومة بفضل اعتراض وزير العمل شربل نحاس، بعد محاولات بعض الوزراء تمريرهما، وتبرير مخالفة القوانين يأتي بحجة تشجيع الإستثمارات الأجنبية، وكأنّ الاستثمارات لا تتم إلاّ من خلال "استباحة لبنان وعرضه للبيع بالمزاد العلني" على حدّ تعبير نحاس، وهي ليست المرة الأولى التي يتصدّى فيها تكتل التغيير والإصلاح منذ دخوله الى الحكومة لهذه المشاريع المشبوهة، وكان الضغط لتمريرها بمراسيم صادرة عن مجلس الوزراء يأتي دائماً من المتمولين الخليجيين بتواطئ مع جهات داخلية اعتادت سياسة الزبائنية ، ومن دون أن يردعها لا قيم ولا مبادئ.
فهنيئاً للّبنانيين بوجود هؤلاء المخلصين الذين مع القلة القليلة من الحلفاء، يقفون في وجه مافيا المال والسياسة، في الحكومة وخارجها، وفي أي موقع يجرؤ فيه الفاسدون بالتطاول على حقوق الناس وكراماتهم؛ فمن حفل تاريخه بالنضال والتضحية والإستشهاد في سبيل هذا الوطن، لن يتوانى عن خوض معركة التغيير والإصلاح الى النهاية.
Comments
Post a Comment