معركة القلمون تكشف مواقف الأفرقاء الحقيقية من التكفيريين

نسيم بو سمرا (tayyar.org)

من خسارة الى خسارة ومن خيبة الى أخرى يسير باضطراد تيار المستقبل، من خيبة عاصفة الحزم في اليمن الى خسارة رهاناته على الإرهابيين الذين هبّت عليهم عاصفة القلمون على غفلة، من دون أن ترصدها الرادارات الإقليمية المنصوبة من تركيا مرورا بإسرائيل وصولا الى الخليج، وبات على تيار المستقبل وبالتحديد على رئيسه تقديم الأجوبة والمبررات لموقفه المشبوه من معارك القلمون وتحوّل موقفه المناهض للإرهاب والذي كان يعلنه في كل مناسبة ويقدم نفسه وتياره كجهة معتدلة ترفض التطرف والإرهاب الى قلق في البداية على مصير الإرهابيين في القلمون لينتهي به المطاف إلى منتقض بشراسة لخوض حزب الله هذه المعركة والتي صبّت في النهاية كما نرى اليوم لصالح لبنان وليس فقط لسوريا، فانجازات حزب الله في القلمون والتي بات إعلان النصر فيها مسألة وقت لا أكثر، حمت لبنان واللبنانيين من الأسوأ وباتت اليوم قرى لبنان على الحدود الشمالية الشرقية من بعلبك الى بريتال محصنة من أي هجوم أو تسلل أو عمل تفجيري يمكن أن يقدم عليه الارهابيون في هذه القرى وعبرها الى الداخل اللبناني، ومن الإنجازات المهمة ايضا لهذه العملية، حماية الجيش اللبناني من أي هجوم مباغت كما كان يحصل طوال السنوات الماضية في عرسال ووادي حميد ورأس بعلبك، لأن العمق الذي أوجدته المقاومة اللبنانية بإبعادها للجماعات التكفيرية عن التماس المباشر مع القرى الحدودية، يريح الجيش الذي من مراكزه المتقدمة في جرود عرسال وصولا الى جرود راس بعلبك، يرصد باكرا اي تحرك أو تجمع للمسلحين ويعالجهم بالنار قبل اقترابهم، ولكن تبقى عرسال المحور الأضعف بعدما لجأ الفارون المتقهقرون من المعارك الى جرود عرسال، وهنا لا بد من التشديد على واجب الجيش بعدم السماح لهؤلاء المسلحين بتجميع قواهم ليشنوا بعدها غارات شبيهة بما حدث في معركة عرسال الأخيرة والتي أدت الى استشهاد خيرة أبطالنا في الجيش.  
في العلم العسكري الذي يدرّس في الكليات الحربية، المبدأ الأول يقوم على أن المعركة الرابحة هي في عدم خوضها في الأساس، فتتخذ الإجراءات الميدانية الرادعة والعمل الأمني الاستباقي الذي يمنع العدو من تجهيز نفسه للإنقضاض بعدها على هدفه، فيما نرى أنّ ما كان يحدث عندنا العكس، والأمثلة لا تحصى من عرسال الى طرابلس وصولا الى عبرا، في حين أنّ المبدأ الثاني الذي يدرس في الكليات الحربية أنّه يجب ضرب العدو في أوج ضعفه، والإستفادة من العوامل المحيطة بهذا العدو لحسم المعركة، أمّا ما يحدث راهنا في معركة القلمون فيكشف بوضوح مدى تكبيل الجيش بالقرار السياسي، والمسؤولية في هذا السياق يتحملها تيار المستقبل وحلفاؤه، وهذا القرار منع الجيش حتى الآن من التدخل في المعركة الدائرة، ويكشف المراقبون مدى خطورة عدم استفادة الجيش الذي يخوض حربا مفتوحة مع الارهابيين وهي حرب أمنية مفتوحة لا عسكرية فقط وتمتد الى داخل لبنان، يرى هؤلاء المراقبين أن من الخطأ فسح المجال أمام المسلحين لجمع قواهم مجددا وتقوية صفوفهم المشتتة نتيجة الضربات التي تلقوها من المقاومة والجيش السوري، وباتوا وفق المراقبين يشكلون خطرا مضاعفا اليوم على لبنان بعدما ضاقت سيطرتهم الجغرافية وبات منفذهم الوحيد التوجه عبر عرسال للحصول على الإمداد، ويؤكد المراقبون أنّ الحلّ الوحيد للقضاء على وجود هذه الجماعات، هو التنسيق مع الجيش السوري والمقاومة اللبنانية وخوض معركة واحدة للإطباق عليهم ككماشة تنهي أي أمل لهم بالمواجهة او حتى الفرار الى منطقة أخرى، فيصبح خيارهم الوحيد إما القتل أو الإستسلام.

بات لزاما على اللبنانيين جميعا والذين شكّلت لهم المقاومة مظلة أمنية، حمتهم طوال الفترة الماضية وما زالت من الخطر التكفيري، بات لزاما عليهم دعم مقاومتهم وجيشهم، بعيدا من الحسابات الضيقة والمصلحية وسياسة تصفية الحسابات، في وقت عين إسرائيل على المقاومة، وتفكيرها بما ستحققه في الجليل في حال اندلعت المواجهة معها في المستقبل، فالجليل الأعلى لا يقارن لا من قريب ولا من بعيد من ناحية الصعوبة بطبيعة القلمون الوعرة، فالعدو الإسرائيلي يراقب ما تحققه المقاومة من انتصارات عن كثب، وهو قلق للقوة الضاربة التي باتت تتمتع بها في العديد والعتاد، فالاسرائيلي إذاً ينظر بقلق الى قوة المقاومة الصاروخية التي استخدمتها في معركة القلمون في الأيام الأخيرة وبخاصة للسيطرة السريعة وبأقل خسائر ممكنة على التلال الوعرة وأهمها تلة موسى الإستراتيجية، وهي القمة الأعلى في سلسلة جبال لبنان الشرقية ولهذه التلة المقدسة حكاية مع النبي موسى وربه، وقد حررها رجال الله من دنس الشيطان، غير أنّ العدو قلق أكثر لصلابة المقاتل في حزب الله، لقوة عزمه وإيمانه القوي بربه الذي لا يتزحزح، لقلبه الذي لا يجبن وعقله الذي لا يعرف الشك، قلق من القوة الروحية للمجاهدين ومن أخلاقهم التي لا تعرف النفاق ، يشعر الإسرائيلي بخوف شديد من طهارة المقاوم في حزب الله وصفاء نفسه ونقاوة روحه وما يرعب الإسرائيلي أكثر أنّ قيادة هذا المقاتل الجبار، لا تعرف الوهن وتعمل بلا كلل ولا ملل لتخليص البشر من عدو تلمودي وحليفه التكفيري، فخارطة العالم ترسم اليوم في هذه المنطقة وبالتحديد إنطلاقا من سوريا ولبنان، وكما من هذه الأرض انطلقت الديانات وكما أنجبت هذه الأرض الأنبياء والرسل والعظماء، ومن هنا انطلقت الأفكار البانية للحضارة والراسمة لمسار البشرية، كذلك اليوم مصير العالم وإخراجه من العصر الظلامي الذي أدخلته به الأفكار الهدامة ونزعة السيطرة لدى الإمبراطوريات المتداعية، منوط بنا ومعلّق على هذه الأرض وشعبها الذي سيستعيد دوره الرائد في إعادة البشرية جمعاء الى إنسانيتها. 

Comments

Popular posts from this blog

الامبراطورية الاميركية تحولت الى أمة مستبدة تقوم على وهم القوة والبرازيل تتصدى لترامب بتفعيل "جسر البريكس"

النساء في إيران تتحدى سياسات التمييز ضدهن بفرض الحجاب...حدث رياضي تحول الى مهرجان "بشعر مكشوف"!

مصير حكومة نواف شبيهة بمصير حكومة عباس...والذي سيفاوض عن لبنان هو من يملك السلاح -نسيم بو سمرا