Skip to main content

دولة داعش في طور التشكل، واللاعبون الإقليميون والدوليون لا يمانعون



                                            

                                         نسيم بو سمرا(tayyar.org)

في وقتٍ باتت التطورات الميدانية في كل من العراق وسوريا مقلقة، حيث يتقدم تنظيم داعش باطراد، من دون ان يتمكن الجيشان العراقي ولا حتى السوري وقفه، وعلى وقع التسويات المنتظر الإعلان عنها منتصف الصيف المقبل تشمل جميع الملفات العالقة من توقيع النووي الإيراني الى الحدود الجديدة التي ترسم على وقع السيطرة الميدانية للأطراف المتحاربة، إضافة الى وضع بلدان شمال افريقيا التي لا تقل الأحداث فيها خطرا عمّا يحصل عندنا، وعلى رأسها مصر، من دون أن ننسى ذكر العدوان على اليمن وتداعياته الذي بدأ يترجم لا استقرارا في الداخل السعودي، إضافة الى وضع البحرين الماضي شعبه في ثورته السلمية، وحتى ذلك الوقت ستبقى المنطقة برمتها مشتعلة بالبارود والنار وستتراكم أشلاء الجثث المتفحمة والمقطوعة الرأس، بالتوازي مع تزايد الهجرة الجماعية من المناطق المنكوبة والمحتلة نحو أماكن أخرى آمنة ومنها لاحقا ربما الى بلدان أخرى او قارات أخرى، وهو ما سيؤدي الى فرز ديمغرافي حاد، سيبنى على أساسه المشرق العربي الجديد.

هذه الصورة القاتمة لمنطقتنا، ليست من بنات الأفكار التحليلية والمتشائمة، بل مردّها الى مسار الأحداث منذ انطلاقة ما يسمى بالربيع العربي حتى يومنا هذا، وترتكز هذه الصورة على المواقف الدولية القديمة منها والجديدة بالمقارنة، وعلى أداء الدول الإقليمية المستجد في المواقف وفي الأداء لجهة دعم هذا الطرف المتحارب او ذاك، والعنصر الأهم يبقى أداء الدول المعنية مباشرة بالحرب مع الإرهاب كالعراق وسوريا.
في الحروب العالمية الكبرى، والحرب العالمية الثالثة بدأت في العام 2001 وهو التصنيف المعطى لهذه الحرب، على الأقل بنظر المراقبين، تبقى الحرب خليطا من المعارك الميدانية والحراك الدبلوماسي، تؤول بنتيجتها الحرب إلى أروقة المنظمات الدولية التي بدورها توجه من مراكز القرار في الدول المؤثرة في العالم، أمّا صفارة نهاية الحرب وبدء العمل السياسي فتطلقها أجهزة استخبارات هذه الدول المؤثرة، كون هذه الأجهزة تملك المعطيات اللازمة التي تحدّد الوقت الأنسب لدولها تحقق من خلالها مصالحها، ليستكمل بعدها مسار التسوية على حساب الخاسر الأكبر نتيجة هذه الحرب.  
لقد بات معلوما انّ خارطة جديدة عالمية وليس فقط إقليمية تتشكل راهنا، وهي نتيجة طبيعية لانهيار نظام القطب الأوحد بقيادة الولايات المتحدة وتشكل نظام عالمي جديد يقوم على تعدد الأقطاب، وبداية نشوء تجمعات إقليمية كبرى موزعة على مختلف القارات، حلّت مكان النظام المركزي القديم الذي كان مركزه في قارة أميركا الشمالية في واشنطن، غير أنّ رسم هذه الخارطة الذي صنع حبرها من دماء شعوب منطقة الشرق الأوسط وبعيدا من المسببات التي جعلت هذه الشعوب بالذات تتحمل هذا العبئ الضخم، انطلق من رحم منطقة المشرق صانعة التحولات الكبرى التي عصفت بالعالم أجمع على مدى التاريخ ، وحدّد بنتيجتها مسار البشرية.

الصورة لدينا الآن باتت أوضح من أي وقت مضى، ونظرة سريعة على انتشار تنظيم داعش وأخواته في المناطق التي سيطر عليها، ترسم اللوحة بخطوط نافرة، ما يسهل رؤيتها وبالتالي تحليل ما سيؤول اليه الوضع في المنطقة، والمثالان البارزان أمامنا ما حصل في الرمادي في العراق، وما يحصل في تدمر وجسر الشغور، حيث طرحت تساؤلات عدّة حول هذه المناطق الحيوية الحساسة للطرفين، إذ ان من يسيطر على الرمادي في العراق، وتدمر في سوريا، تصبح له الأرجحية في الهجوم فيما من يخسر هذه المناطق ينتقل الى وضعية دفاعية، نظرا لأهمية هاتين المنطقتين على المستوى الاستراتيجي في وصل الطرق والمناطق بامتداداتها الحيوية، فسيطرة داعش على بلدة تدمر فتح له الطريق نحو البادية السورية الممتدة من محافظة حمص حيث تدمر وحتى الحدود العراقية شرقا، و بات هذا التنظيم يسيطر الآن على نصف مساحة سوريا الجغرافية تقريبا، بحسب منظمة غير حكومية وخبراء، وللمدينة أهمية استراتيجية كبيرة باعتبارها الرابط بين شرق سوريا وغربها، وبالسيطرة عليها يقترب التنظيم أيضا من العاصمة دمشق، اما سيطرة التنظيم على الرمادي فمكّنه من ربط البادية السورية بالأنبار العراقية واصبح على مساحة واسعة مع الحدود الاردنية. 
وما يثبت صحة أن مشروع التقسيم سائر على قدم وساق، وقبول اللاعبين الأساسيين الدوليين والإقليميين بهذا التقسيم على قاعدة الكيانات المذهبية التي طرحها نائب الرئيس الأميركي جو بايدن، هو التمدد الداعشي الميداني، فالتنظيم يتقدم على مرأى طائرات التحالف، الذي لم يستهدف أرتال "داعش" التي تسير نهاراً على طرق صحراوية مكشوفة امام الطائرات الاميركية، في العراق وسوريا.
إنّ قوة داعش لا تكمن في النهاية بعتادها وعديدها، بل بالبيئة الحاضنة للتنظيم وخاصة في العراق، حيث لا تلاقي أي اعتراض على دخولها في المناطق ذات الأغلبية السنية، فلا قدرة مثلاً للتنظيم على خرق مناطق الأكراد الواقعة ضمن اقليم كردستان رغم وجود ثروات طبيعية يسعى التنظيم الإرهابي للسيطرة عليها لتأمين التمويل، مع التذكير ان الأميركيين رسموا  خطوطا حمراء بمشاركة إيرانية تُرجمت بمساعدة الاقليم الكردي عسكريا، بينما الوصول الى حمص او القلمون في سوريا دونه عقبات كبيرة، بحسب هذا العامل، وسيستمر داعش بالتوسع بناء لنظرية البيئة الحاضنة حيث تلقى توجهاته الدينية وفكره قبولا من السكان القاطنين تلك المناطق، كما حصل في الرقة ودير الزور والموصل والأنبار... ويبقى على الأقليات في هذا الوقت الضائع حتى حصول التسوية أن تصمد وتقاتل وتدافع، وبخاصة في سوريا كما فعل الأكراد في عين العرب كوباني مسطرين ملاحم بطولية في تصديهم للتكفيريين البرابرة، وهذا ما فعله أيضا الأشوريون والسريان إذ حرر مقاتلو المجلس العسكري السرياني، مع وحدات حماية الشعب والمرأة الكردية، قرى الخابور الآشورية، شمال شرق سوريا، بالكامل، بعد إرغامهم تنظيم «داعش» على التقهقر.
أمّا مسيحيو لبنان فعليهم دعم أخوانهم المسيحيين في كل من العراق وسوريا وبشكل خاص في سوريا، لأن المعادلة في هذا الإطار تقول إنّ بقاء المسيحيين منتشرين في هذا المشرق، يشكل ضمانة استمراريتهم، فيما تقوقعهم في بلد واحد او انغلاقهم في منطقة محددة، سيؤدي الى زوالهم وهم في الأساس شكلوا النهضة العربية بسبب دورهم الفاعل في مجتمعاتهم، لا بسبب عددهم، وبالتالي لا ينجح مشروع تفتيت المنطقة وتقسيمها إلا بتهجير المسيحيين والقضاء على دورهم في المجتمع المشرقي، وامتدادهم الطبيعي طوال التاريخ امتد من كيليكيا في تركيا وصولا الى طنجة في المغرب، أمّا اليوم وبعدما انحسر هذا الوجود الى حدّه الأدنى، سيزول الى غير رجعة في حال ترك المسيحيون بلدانهم الأساسية في العراق وسوريا، بعدما بات دورهم شبه معدوم في فلسطين المحتلة، وسيأتي الدور حينئذ على مسيحيي لبنان الذين سيزولون بدورهم وتزول من خلالهم جذور المسيحية التي انطلقت من هنا ويجب أن تبقى هنا.
24/5/2015

Comments

Popular posts from this blog

معمل بلاستيك يتعدى على حرمة نهر حمانا وأصحابه يتهمون رئيس بلدية حمانا بالتحيز لشبيبة لامارتين

  *نسيم توما الهاشم يدعي سيد البلاستيك "إيلي نخله" انه تحت سقف القانون وانه سيحصل حقه بالقانون، فيما هو يخالف في عمله كل القوانين البيئية والصحية، وقد استغل منبر شبيبة لامارتين حمانا ليوصل رسالة تهديد الى قائد شبيبة لامارتين مباشرة على الهواء، فيما نحن ظننا للحظة انه نادم على تلويث البيئة ومستعد لاصلاح ما تضرر، ولذلك نقلنا وجهة نظره وأوصلنا صوته للرأي العام لأن مهنيتنا الصحافية تفرض علينا عرض الرأي الآخر، كي لا نتهم بالتحيز وليحكم الرأي العام في ما خص الجرائم البيئية التي ترتكب في حق وطننا لبنان وبلدتنا حمانا،  وبدل ان يشكرنا سيد البلاستيك الذي أطلق علي لقب "سيد البيئة" وانا افتخر بالمناسبة بهذا اللقب وهو شرف لكل من يملك حسا بيئيا ويقاتل للحفاظ على البيئة ضد الكارتيلات التي تستبيح البيئة وتلوث الطبيعة طمعا بالمال،  لا بل اكثر من ذلك راح يكيل التهم لشبيبة لامارتين حمانا،  ويهاجم بلدية حمانا التي اتخذت الاجراء بحقه وأجبرته على ازالة المخالفة، لأنه متعدي على الأملاك العامة، وهو يوضب بضاعته بشكل ملاصق  للنهر مباشرة، في موقع حساس جدآ بيئيآ؛ بدل ان يبتعد عشرة امطار عن...

خسر مصداقيته من الجهتين فبات عديم الوفاء امام جمهور المقاومة ولم يربح الجمهور المعادي للمقاومة- نسيم بو سمرا

  بعض السياسيين بلبنان مفكر حالو سعد الحريري  ومصدق شعار "لبنان اولا" اللي طرحتو جبهة ١٤ آذار المزورة...والمضحك اكثر انو مصدقين خبرية "الانحياز الى الدولة" والتي يخلطون بينها وبين السلطة، (في لبنان لا يوجد دولة بل سلطة مرتهنة للخارج بأغلب الاحيان) فيتبنوها شعارا الى جانب شعار ال ١٠٤٥٢ كم٢ السخيف هو ايضا؛ أولا هو منطق بعيد من الواقع لانه لا دولة في لبنان حتى يومنا هذا، فحتى عهد الرئيس ميشال عون فشل في بناء دولة، وما زالت دولتنا منهارة، وثانيا: كل عمرا المقاومات مشروعة دوليا وقوميا ووطنيا وتحل مكان الدولة حين تنهار الدولة، ولبنان ليس استثناء بل يشكل لبنان سابقة في تكامل المقاومة مع فكرة الدولة، ولا تتعارض او تتنافس معها؛ والدليل هو استطاعة الشهيد السيد حسن نصرالله فرض معادلة الردع التي استمرت ثمانية عشر عاما منذ العام 2006 وحتى ال 2024 والمثال الآخر هو ترسيم الحدود البحرية مع العدو الذي اعطى للبنان كامل حقوقه في نفطه وبلوكات غازه حيث لم يكن عهد الرئيس ميشال عون ليحقق هذا الانجاز، لولا مسيرات المقاومة التي حلقت لمرتين فوق حقل كاريش...ليرفع أحدهم شعاره الشهير حينها: ...

الامبراطورية الاميركية تحولت الى أمة مستبدة تقوم على وهم القوة والبرازيل تتصدى لترامب بتفعيل "جسر البريكس"

 *نسيم بو سمرا حين قمت ببحث في العام ٢٠١٠ ونشرته فيي صحيفة متخصصة، عن بدء انهيار الامبراطورية الاميركية، من الناحيتين الاقتصادية والسياسية، وبدء تقهقرها عسكريآ، نتيجة عنجهية حكامها وشنهم الحروب حول العالم من دون هوادة، بدءا من افغانستان مرورا بالعراق على وقع أحداث١١ أيلول ٢٠٠١ والتي بدأت تتكشف خيوطها اليوم، بأن ضرب برجي نيويورك كان حدثا افتعله جهاز الاستخبارات المركزية الاميركية ليبرر جراءها احتلال دول حول العالم واسقاط أنظمتها؛ سخر كثر من نظرية بداية انهيار النظام العالمي التي سوق لها مفكرون وباحثون بعضهم ينتمي الى المعسكر الغربي ايضا، وليس محصورا بمراكز الدراسات في المعسكر الشرقي، نظام شكل بعد الحرب العالمية الثانية بهدف الهيمنة على مقدرات الدول الفقيرة والضعيفة ولكن الغنية بالمواد الالية، والقائم على القطب الواحد، قبل ان يستيقظ الدب الروسي من ثباته العميق كما ينهض التنين الصيني بدءا من ال ٢٠١٠، لتنطلق مرحلة جديدة من تشكل نظام عالمي اكثر عدالة وتوازنا، توزعت فيه القوى على مختلف القارات بتشكل مراكز جذب اقتصادية، مثل تجمع البريكس على سبيل المثال لا الحصر. اليوم وبعد انهيار أسس ال...