كثر من السياسيين ورؤساء الاحزاب وعلى الرغم من استمرار الحرب الشرسة على لبنان بوجهها الاجرامي، التي يشنها عدو بربري بات ارتكابه الابادات الجماعية والجرائم الانسانية فنا لا اختصاصا، لا يفقهون سوى التحريض على المقاومة، وتقديم الخدمات المجانية للعدو والتماهي بما لا لبس فيه مع سياسة العدو الإسرائيلي وعملائه في لبنان، والامثلة كثيرة لخطاب بات ممجوجا ولا يكاد يختلف الا ببعض التعابير بين قوى سياسية تناصر العداء لبعضها البعض في أصغر تفصيل، ولكنها تتفق على قطع رأس المقاومة، فيما المؤسف ان تكون بعض القيادات التي تسير في هذا المسار الاستسلامي، انقلبت على تاريخها وطعنت بعلة وجودها وهي "النضال والمقاومة".
كثرت نماذج التماهي مع العدو وربطه اعادة انتشاره وليس انسحابه من الاراضي اللبنانية المحتلة، بالاشتراط بنزع سلاح حزب الله ليتحول الى شرط القضاء على المقاومة وتهجير بيئتها من كامل ارض الجنوب، وقد رأينا نتيجة مصادرة هذا السلاح من جنوب الليطاني في فترة الخمسة عشر شهرا، والذي بدل ان يأخذه الجيش لتعزيز ترسانته من الاسلحة، أجبره الاميركي على تفجيره، فيما يدعي هؤلاء ان هذا السلاح يشكل ذريعة لاسرائيل للاستمرار بالحرب، وقد سئمنا من هذه النغمة السخيفة التي لا تستند الى اي أساس تاريخي او تجربة معاشة، بينما يذهب البعض الآخر الى الرهان على ترامب للجم اسرائيل، شو هالسخافة والاستغباء؟ ترامب حليف نتنياهو ولولا ترامب وجسر السلاح الذي أنشأه لاسرائيل، والذي يدمر لبنان ويقتل شعبه بهذه الاسلحة الاميركية، لما كانت اسرائيل صمدت امام ضربات المقاومة ولكانت خرجت من لبنان وجنوبه منذ اشهر، اما مقولة جوزاف عون انه لا يمكن اخراج اسرائيل سوى بالدبلوماسية، فنحن أكثر من اختبر الدبلوماسية مع العدو في السنتين الاخيرتين وكيف ان اسرائيل بعد كل جولة تفاوض تحتل مساحة اكبر من الأراضي وتتوغل اكثر في لبنان، ويرتفع مستوى تدميرها لمدننا وقرانا في الجنوب.
اليكم هاتان الواقعتان الاولى صباح اليوم والثانية بعد ظهر اليوم، حيث تقدمت قوة إسرائيلية مؤلفة من عناصر مشاة وجرافة عسكرية من نوع D9 لمسافة نحو 50 متراً من نقطة للجيش اللبناني عند خزان زوطر الغربية حيث تواصل الجرافة اقتلاع الأشجار في عملية جرف مستمرة منذ يوم امس كما سجل توغّل إسرائيلي في زوطر الغربية مع تجريف أشجار زيتون وتقدّم دبابة "ميركافا" باتجاه نبع إبل السقي.
بعض المنظرين للسلام مع العدو يعترف بأطماع اسرائيل التوسعية، ولكنه لا يخبرنا كيف يريد ان يواجه هذه الاطماع؟ بتجربة أوسلو السيئة الذكر ربما، فيما ادعاء هذا البعض ان ايران هي التي تملي على حزب الله أجندته العسكرية، فمردود بعدما نجحت ايران في لجم الاندفاعة الاسرائيلية، قبل علي الطاهر وبعدها، وإحدى الشروط الاساسية لايران اليوم لوقف الحرب بموجب مذكرة التفاهم، هي في وقف الاعتداءات الاسرائيلية على لبنان وسحب قواته من الجنوب.
بعض هؤلاء ذهب بخطابه السياسي الى الطعن حتى بتاريخ الجنرال عون العسكري المشرف، اذ بحسب منطقه فالسلاح لم يكن ضروريا في تلك المرحلة المفصلية للبنان كما هو غير ضروري اليوم، فكما مع العدو السوري، كذلك هو الامر مع العدو الاسرائيلي بمفاوضات العار التي وقع لبنان بنتيجتها اتفاق العار المسمى الاطار، ونحن اليوم عشية احياء ذكرى 13 تشرين، إذ كان يجب على ميشال عون ان يتبع نهج الدبلوماسية الذي اتبعه نواب الطائف ويوافق على الطائف، لا ان ينخرط في مواجهة عسكرية مع سوريا وحلفائها اللبنانيين لرفضه اتفاق الذل والاستسلام المسمى اتفاق الطائف، لكان ربما جنب المسيحيين حمام الدم واجتياح القوات السورية للمنطقة الشرقية، وسقوط مئات الشهداء من الجيش وآلاف الضحايا من المسيحيين، بحسب ما يوصل اليه منطق هؤلاء الانهزامي.
بناء على هذه المعطيات وما سبقها وما سيأتي بعدها، إن ربط الاعتداءات الاسرائيلية والجرائم البيئية والقتل وتفجير التلال والتجريف والاحتلال، بالسلاح، الذي بالمناسبة ومهما كان حجمه ونوعيته (وهو لا زال موجودا ويحسب له العدو ألف حساب ويسعى لتدميره، اما مباشرة او بالواسطة، بالحرب او بالنفاق السياسي وفخ المفاوضات) ما زال حاجة لردع العدو ومنعه من تحقيق كامل اهدافه الاستراتيجية، لان ما حققته اسرائيل حتى اليوم على الرغم من الدمار الكبير وشلالات الدم التي سفكتها، يبقى في اطار النجاحاات التكتيكية فقط ويبقى مؤقتا، لا دائماً، ومنطق تبرير الابادة الجماعية التي يرتكبها العدو بحق شعب جبل عامل وكل الشعب اللبناني، مرفوض لانه يسهل له لا بل يشجعه على الاستمرار باعتداءاته، طالما هناك أصوات في الداخل وبخاصة من اليمين المسيحي، تلاقيه في سرديته وتقتنع بحججه الكاذبة.
في زوطر الشرقية، لا تبدو أشجار الزيتون المعمّرة مجرد أشجار تقاوم محاولات الاقتلاع، بل تختصر حكاية أرضٍ يريد الاحتلال الإسرائيلي انتزاعها من ذاكرتها وأهلها ومستقبلها. فالمشاهد التي وثقت الاعتداء على أشجار الزيتون، إلى جانب تدمير المنازل وتغيير معالم القرى الجنوبية، يعيد طرح السؤال الأخطر: هل يكتفي الاحتلال بفرض واقع عسكري على الأرض، أم يسعى إلى جعلها غير قابلة للحياة، تمهيدًا لتكريس واقع جغرافي جديد؟
إن ما يجري اليوم في هذه المرحلة الخطرة والمفصلية للبنان، يتجاوز الأضرار التي تخلّفها العمليات العسكرية. فاقتلاع الشجر المعمّر، إذا ما وُضع في سياق تدمير المنازل وتجريف الأراضي، يصبح جزءًا من سياسة إعدام الحياة في القرى الامامية، تستهدف مقوّمات بقاء السكان وارتباطهم بأرضهم، وهي ممارسات تستحضر ما شهدته الأراضي الفلسطينية المحتلة من تغيير للمعالم الطبيعية وتكريس للوقائع بالقوة، تمهيدًا لتغيير الواقع الديمغرافي وتوسيع الاستيطان، تنفيذًا لحلم "إسرائيل الكبرى"وهذا ما يجعل حماية الأرض اللبنانية اختبارًا فعليًا لسيادة الدولة، لا مجرد عنوان سياسي.
بالختام، إن أول رد فعل رادع على
الاعتداءات قبل ان نواجهه بالسلاح، هو الوحدة الوطنية ضد حرب خارجية شنت علينا عن
سابق تصور وتصميم وبأهداف استراتيجية بعيدة الامد، نتيجة اطماع تاريخية للعدو بأرض
لبنان وثرواته المائية والحرجية والنفطية، وساذج إن لم يكن متواطئا مع العدو، من
ينسى التاريخ منذ العام 1948 ولا يربط ما يحدث من وقائع على ارض الجنوب بهذه
الاطماع والخطط الاسرائيلية بتهويد جنوب لبنان، على غرار مخطط تهويد الضفة الغربية،
القائم على قدم وساق.
9/10/2026

Comments
Post a Comment