العدو انتزع من الدولة اللبنانية صك براءة عن جرائمه واتفاق الاطار سيسقط ومعه العهد الموقّع عليه –نسيم بو سمرا


 



هل يصدّق عاقل أن توافق أي سلطة سياسية في اي بلد بالعالم على صك استسلام؟ فيما شعبها ومقاومتها ما زالت تقاوم المحتل وتصمد امامه وتمنعه من تحقيق اهدافه العسكرية كما السياسية، ألا يعتبر هذا الاستسلام خيانة عظمى؟ فحين استسلمت حكومة فيشي للنازيين، لعنها شعبها كما التاريخ، وها هي اليوم السلطة اللبنانية ترتكب الخيانة نفسها بالتنازل عن السيادة ورهن قرارها بالقوى الكبرى، واتفاق الذل والعار المسمى اتفاق اطار يخبر عن نفسه، وبخاصة في البند الثالث عشر الذي يلزم لبنان وإسرائيل وقف "كل الأعمال العدائية أو السلبية في المحافل السياسية أو القانونية الدولية"، ما يفتح الباب أمام نقاش يتجاوز السياسة إلى الدستور والقانون الدولي بما خص حقوق الشهداء والجرحى الذين سقطوا خلال الحرب الأخيرة، فضلاً عن الدمار الهائل الذي أصاب الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية.

تحت عنوان "بناء الثقة بين الطرفين"، تمكنت اسرائيل من انتزاع صك براءة من الدولة اللبنانية عن جرائمها بحق لبنان، هي التي تواجه منذ سنوات ضغوطاً متزايدة في المحاكم الدولية، وتلاحقها تقارير أممية ومنظمات حقوقية تتهمها بارتكاب إبادات جماعية في غزة ولبنان، ما يشكل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، وهذا البند يقفل مبدئيا الباب أمام أي مسار قضائي قد يلاحق قادة كيان العدو أو يفتح الباب أمام مطالبات مالية وتعويضات عن الحرب.

ولكن كيف للسلطة اللبنانية ان تتنازل عن حق شعبها الذي ما زال ينزف حتى الساعة نتيجة استمرار العدو باعتداءاته على لبنان وفي ضوء استمرار مراجع عدة توثيق الانتهاكات، فما تقوم به السلطة يضرب مبدأ حق الضحايا في العدالة والحقيقة وهي حقوق شخصية لصيقة بالضحايا وأهاليهم ولا يملك احدا لا دستورياً ولا أخلاقياً أن يتنازل عنها ولا يجوز تقييدها باتفاقات سياسية، لان السلطة السياسية ليست صاحب الدماء التي أُريقت ولا الممتلكات التي دُمّرت، ولا تستطيع الحكومة والعهد ولا المجلس النيابي أن يوقّع باسم آلاف العائلات على إسقاط حقهم في المحاسبة والتعويضات.

اما ما يثبت ان هذا العهد يستحي بفعلته وهو ليس واثقا من شعبه لانه يعرف مدى المنزلق الذي أوقع لبنان فيه، ومسألة "الملاحق السرية" بقيت سرية بطلب من لبنان لا اسرائيل التي ييكشف مسؤولوها بشكل يومي عن مندرجاتها، ويفضحون بذلك كذب السلطة اللبنانية وآخر تصريح لرئيس وزراء العدو يؤكد فيه ان "الاتفاق مع لبنان يقر بحق إسرائيل بالتمسك بالمنطقة العازلة في لبنان حتى نزيل تهديدات حزب الله"، ما يزيد الشك كما التباسات "الإتفاق - الإطار"و ما يحكى عن ملحق أمني سري للتعاون والتنسيق مع إسرائيل، فيما تبقى قيادة الجيش الامل الوحيد لعدم انفلات الامور والذهاب نحو فتنة داخلية، ارادها صناع الاتفاق، وتسهل السلطة لهم، هدفهم هذا، في وقت يحذر رئيس المجلس نبيه بري من المس بالجيش وبقائده العماد رودولف هيكل الذي يتعرض لهجماتٍ كثيرة، ما دفع بالرئيس بري الى رفع السقف محذّراً من النيات المبيتة لإقالته، فيما كان لافتا زيارة قائد القيادة المركزية في الجيش الأميركي  الادميرال براد كوبر، اليرزة مع وفد مرافق، تناول فيها مع العماد هيكل آخر التطورات في لبنان والمنطقة، وأهمية إنجاح آلية تنفيذ الملحق الأمني باتفاق الإطار، إضافة إلى سبل تعزيز التعاون في المستقبل، وهي اشارة الى ان واشنطن حذرة في التعامل مع الجيش وتقدر ما يقوم به قائد الجيش رغم اصوات بعض الجمهوريين المرتفعة في التحريض على هيكل داخل الادارة الاميركية.

بانتظار التطورات المقبلة بالميدان الجنوبي الذي ما زال مشتعلا وتدور على ارضه المعارك بين الحين والاخر، وجيش العدو مستمر يشن الغارات ويقوم بأعمال الهدم والجرف ويفجر الجبال، بشكل يومي في الجنوب، تنص المادة 52 من الدستور على أن المعاهدات الدولية لا تصبح نافذة بمجرد توقيعها، بل تحتاج وفي حالة لبنان إلى موافقة مجلس الوزراء بثلثي أعضائه وإقرار مجلس النواب، وبالتالي فإن الاتفاق بصيغته الحالية، لا يزال إطاراً سياسياً يحتاج إلى استكمال مساره الدستوري قبل أن يكتسب قوة الإلزام، ولا يمكن لأي اتفاق بين دولتين ان يسقط المسؤولية عن القادة والعسكريين المتهمين بارتكاب جرائم حرب، امام العدالة الدولية، واذا استسهلت دولتنا الخاضعة للاملاءات، التخلي عن المطالبة بحقوقها المالية أو رفع دعاوى أمام المحاكم الدولية، فأهالي الضحايا لن يتنازلوا عن هذا الحق ولا يمكن لاي تسوية سياسية ان تمنح إسرائيل حصانة قانونية أو تعفيها من المسؤولية عن الجرائم المنسوبة إليها، كما لا تسقط تلقائياً حقوق الضحايا أو حقهم في المطالبة بالتعويض.

بالمحصلة ان الاتفاق الذي وقعه لبنان الرسمي مع كيان الاحتلال سيسقط، وستسقط معه السلطة الموقعة عليه، فهذا العهد تنازل عن سيادة لبنان واستقلاله وتواطأ في اقتطاع أجزاء من الأراضي اللبنانية لصالح الاحتلال الإسرائيلي، فيما المقاومة وحدها مع الشرفاء الداعمين لها مسؤولون عن إسقاط هذا المسار الاستسلامي الذي إذا نجح، سيفتت لبنان بما يتماشى مع الخريطة الأميركية الإسرائيلية للمنطقة.

 

 


Comments

Popular posts from this blog

الامبراطورية الاميركية تحولت الى أمة مستبدة تقوم على وهم القوة والبرازيل تتصدى لترامب بتفعيل "جسر البريكس"

خسر مصداقيته من الجهتين فبات عديم الوفاء امام جمهور المقاومة ولم يربح الجمهور المعادي للمقاومة- نسيم بو سمرا

النساء في إيران تتحدى سياسات التمييز ضدهن بفرض الحجاب...حدث رياضي تحول الى مهرجان "بشعر مكشوف"!