حين يتناقض خطاب اليوم مع شعارات أمس...يصبح التشكيك في موقف صاحبه بحصر السلاح ضرورة –نسيم بو سمرا



التوقيت في السياسة هو أهم شيئ، والرؤيا لدى السياسيين المستندة الى مشروع، هي التي توصل صاحبه الى تحقيق أهدافه، فاذا جاء طرح بناء الدولة مثلا في ظل الاحتلال، كأولوية على إخراج المحتل، يكون الطرح ساقطا وهدفه تعبئة الفراغ والمزايدة الشعبية وبالتالي يضر هذا الموقف بالجهود التي يجب ان تكون منصبة على تحرير الوطن، قبل بناء الدولة لان بناء الدولة لا يمكن ان يتم في ظل الاحتلال.

ما يطرحه رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل والجولات التي ينظمها منذ بداية الحرب على لبنان والخطابات التي يلقيها، وأخر مواقفه هذه أطلقها اليوم خلال افتتاح لقاء "حماية لبنان" في فندق "فينيسيا"، لا تعدو كونها ملئ فراغ بالوقت الضائع، بدل ان يحشد طاقات شباب وشابات التيار على دعم المقاومين، بالموقف على الاقل، كما حماية خاصرتهم الداخلية المتمثلة بمساعدة أهاليهم النازحين وحمايتهم، فهذا الدعم هو واجب وطني لمن يضحي بحياته لاجل وطنه وشعبه ويدافع عن ارضه بوجه عدو من المفترض ان يكون عدو جميع اللبنانيين لا قسما منهم.

 إذا كان هدف باسيل، ايجاد دور للمسيحيين في هذه المرحلة الانتقالية التي يعاد خلالها رسم خرائط ويتغير فيها النفوذ وتتبدل المعادلات، فقد فشل بذلك لأن هذا الخطاب الحيادي والمتفرج على سير الاحداث من دون اتخاذ موقف حق، يفقدهم دورهم ولا يعززه، فدور المسيحيين في لبنان والمشرق، كان دائما يقوم على الشهادة للحق ونصرة المظلومين، بعدما كان هذا الدور فاعلا بالمرحلة الماضية منذ العام 2006، تاريخ توقيع ورقة التفاهم بين التيار وحزب الله، حين كان يتماشى الخطاب مع مقتضيات الوفاق الوطني ووحدة اللبنانيين والارض وعدم السماح باستفراد مكون اساسي في لبنان، والوقوف الى جانب اللبنانيين بوجه الخارج، وهو ما يترجم عكسه راهنا تجاه حزب الله والجمهور الشيعي، فالتيار انضم الى محور يحاول عزل المقاومة واضعافها، تحقيقا لاوهام وأضغاص أحلام بعض السذج، يسمونها السلام مع العدو.

أما شعارات باسيل فقد باتت ممجوجة لا بل تشكل افكارا متناقضة في كثير من الاحيان، فهو بعدما يصور سلاح المقاومة وكأنه يتناقض مع الدولة ويمنع بناءها، مطالباً بحصر السلاح في توقيت خاطئ ومشبوه، فيما هو كان من اشد الداعمين لهذا السلاح في ظل عهد الجنرال ميشال عون، (فهل كان حينها طرح شعارات بناء الدولة كذباً على اللبنانيين، واليوم بات هذا السلاح يشكل عائقاً امام بنائها؟) ليعود باسيل ويؤكد ان الهدف من لقاء "حماية لبنان" اليوم يتمثل في "تعزيز موقع الدولة بوصفها الخيار الجامع للبنانيين"، مضيفا ان "  الأولوية تتمثل في الحفاظ على الوحدة الوطنية وصون السلم الأهلي وحماية لبنان بحدوده وسيادته واستقلاله..."

ولكن كيف نحفظ الوحدة الوطنية فيما قسم من اللبنانيين يتآمر على القسم الاخر، لا بل الدولة او السلطة نفسها تتآمر على الجهة الوحيدة في لبنان التي ما زالت تقاوم الاحتلال وتردعه عن تحقيق مشروعه، هذا المشروع الذي يشكل خطرا وجوديا على لبنان ويستهدف جميع اللبنانيين، في مقابل مفاوضات من دون ضمانات، أثبتت فشلها في إجبار جيش العدو على الالتزام بها، ليعود باسيل ويعتبر انه " دون دولة قوية عادلة وقوية تحتكر الشرعية وتفرض سيادة القانون لا يمكن حماية لبنان"، وهنا نسأل: بانتظار قيام الدولة هذه التي ينادي بها باسيل، وهو يؤكد في موقفه هذا انها لم تقم بعد، هل نستسلم ونترك العدو يستبيح سيادتنا ويحتل أرضنا، أم نحافظ على السلاح ونحميه وندعم حامليه؟

ومع العلم ان باسيل أشار في كلمته إلى أن الاتفاق ينص على "حصر السلاح بالكامل بيد الدولة وإقرار استراتيجية دفاع وطني وإقدار الجيش والمؤسسات الأمنية وتحييد لبنان عن صراع المحاور وعقد اتفاقيات امن مشترك واعتماد مبدأ السلام العادل لتحصيل كامل حقوقنا في السيادة والثروات وحل مسألتي اللاجئين الفلسطينيين و​ النازحين السوريينوتعزيز علاقات لبنان مع كل الدول والأصدقاء"، إلا انه لم يقل لنا كيف يمكن حصر السلاح في ظل الوصايات الخارجية وعلى رأسها الاميركية منها؟ فهل نحن سذج لنثق بالادارة الاميركية بعد كل الويلات التي عاناها لبنان وبخاصة المسيحيون منهم من سياسات اميركا؟ وعن اي ضمانات يتحدث بألا تعود اسرائيل وتعتدي علينا حين يتم نزع السلاح؟ خاصة ان الفيتو الاميركي على تسليح الجيش معروف، لتحقق حلمها بضم الليطاني وما بعد الليطاني لكيانها اللقيط وبناء مستوطنات على ارضنا على غرار ما يحصل في الضفة الغربية.

30/7/2026

Comments

Popular posts from this blog

معمل بلاستيك يتعدى على حرمة نهر حمانا وأصحابه يتهمون رئيس بلدية حمانا بالتحيز لشبيبة لامارتين

خسر مصداقيته من الجهتين فبات عديم الوفاء امام جمهور المقاومة ولم يربح الجمهور المعادي للمقاومة- نسيم بو سمرا

الامبراطورية الاميركية تحولت الى أمة مستبدة تقوم على وهم القوة والبرازيل تتصدى لترامب بتفعيل "جسر البريكس"