قناعة شعبية واسعة بنهج المقاومة في مقابل تواطؤ سياسي مع توجه العهد الاستسلامي- نسيم بو سمرا

 
 
يخطئ من يظن ان القناعة الراسخة بنهج المقاومة تنحصرفي الشارع الشيعي، بينما الطوائف والمذاهب الاخرى هي ضد المقاومة، فالصوت العالي لدى بعض الافرقاء السياسيين وبخاصة المسيحيون منهم، ولو كان عاليا وتسوق له بكثرة وسائل اعلام مدفوعة الأجر، الا ان هؤلاء يشكلون اقلية في الرأي العام المسيحي الداعم لمقاومة العدو، وينطبق هذا الامر ايضا على السنة، بينما تموضع الدروز الممثل القسم الاكبر منه بالزعيم وليد جنبلاط، فواضحة مواقفه وهي مؤيدة للمقاومة وقريبة جدا بأدبياتها من مواقف حليف حزب الله الاقوى، الرئيس بري؛ ليكون بالمحصلة التأييد الشعبي للمقاومة في لبنان، واسعاً.
 
وبالتالي باتت هذه الاحزاب تشكل أقلية سياسية مصلحية لا تترجم شعبيا، لان الجزء الاكبر من الشارع اللبناني بدأ يخرج من عباءة احزابه وزعمائها، وينحو نحو الفردية في مقاربة الامورعن قناعة، بعيدا من سياسة القطيع المتبعة في الاحزاب، لان جمهور هذه الاحزاب بات يشعر بالاحباط من احزاب وصل معظمها الى السلطة ولكنها فشلت في تغيير الواقع السيئ ووقف الانهيار الشامل على جميع الصعد، فلم تنجح في ترجمة شعاراتها على ارض الواقع تحسينا للاوضاع، ما يعني فعليا انها نكثت بوعودها، فلم يبقى لها لتبرير عجزها سوى اتهام الاخرين بعرقلتها واتباع سياسة الهروب الى الامام بخطاب ما بعد نزولها عن صهوة السلطة، وهو خطاب قاصر عن التأثير على مجرى الاحداث، يتخبط بالمفردات ويظهر ضياعا في الاولويات وقصورا في الاستراتيجية وفقدان الهوية والانقلاب على المبادئ وخروج عن الثوابت، ليتحول الخطاب السياسي الى مجرد تنظير يضعف التضامن الداخلي ويساهم في توسيع الشرخ بين اللبنانيين المشتتين اليوم بين محورين متحاربين، من الصعب جدا تحييد لبنان عن اي منهما، حتى لو اراد اللبنانيون ذلك؛
 بينما السلطة التي أجمعت الاحزاب السياسية بشكل مريب حتى المعارضة منها، على دعم توجهها للمفاوضات المباشرة، هي سلطة لا تشكل الحاضن لشعبها وهي عاجزة عن تأمين الحد الادنى من متطلبات مواطنيها الحياتية والخدماتية، في ظل تواطؤ قضائي مع المجرمين وسارقي اموال المودعين، لم نر له مثيلا في العهود السابقة، وما يحدث في ملف واجهة بيروت البحرية بين السان جورج وسوليدير، خير دليل على الفساد في القضاء وشراكته العميقة مع السياسة ورأس المال، في حين ان الجيش مذلول بقرارات السلطة السياسية ويخطط الاعداء لتسليحه فقط بهدف مواجهة شعبه وحفظ أمن اسرائيل، لا الدفاع عن حدود لبنان.
 
لذلك المرحلة لا تحتاج الى اقوال كما يفعل معظم السياسيين بل الى افعال، اهمها دعم من يملك السلاح ويملك قرار الضغط على الزناد، ليستمر في القتال بظل انسداد الافق واصرار العدو على استغلال فرصة يعتبرها ذهبية لتحقيق حلمه التلمودي بضم لبنان الى كيانه الغاصب، اما مصلحة لبنان فليست في الذهاب بمسار يسير فيه العهد مهرولا، وهو يسميه سلام، بينما هو استسلامي انهزامي، فصحيح أن كلفة الصمود باهظة في ظل شراسة العدوان الإسرائيلي، وأن الثمن الذي يدفعه حزب الله وبيئته الشعبية كبير، لكن هذا الثمن يبقى أقل وطأة من الاستسلام وتسليم السلاح  بالوقت الراهن.
ميدانيا تدرك المقاومة انه لا خيار لديها سوى الصمود واستنزاف العدو وتكبيده خسائر لاحتلاله الارض، في ظل التآمر الداخلي عليها وتسليم العهد كامل اوراقه للاميركي كوسيط (هو فعليا لم يكن وسيطا في اي يوم من الايام بين لبنان واسرائيل، بل طرف يبرر العدوان على لبنان ويغطي العدو في اعتداءاته على اللبنانيين)، ولذلك يعتمد الحزب في استراتيجيته الصمود على مسارين:
الأول ميداني، ويتمثل في مواصلة العمليات اليومية الرامية من ناحية إلى استنزاف الجيش الإسرائيلي ورفع فاتورة احتلاله للمنطقة الحدودية في الجنوب، ومن ناحية أخرى إلى إبقاء المستوطنات الشمالية في وضع غير مستقر، بغية إرهاق قاطنيها ودفعهم إلى الضغط على حكومتهم لوقف الحرب ولو بعد حين.
ويأمل الحزب في أن تؤدي المفاجأة التكتيكية التي صنعتها مسيّرات الألياف الضوئية إلى تحوّل استراتيجي تدريجي في مسار المواجهة، وصولاً إلى دفع تل أبيب في اتجاه مراجعة حساباتها مع بدء تراكم الخسائر المترتبة على استخدام هذه المسيّرات. لكن الحزب يدرك أن هذا الإيقاع الميداني يحتاج إلى بعض الوقت حتى يعطي مفعوله، ما يتطلب الصبر وتحمل أعباء المواجهة.
فيما المسار الثاني الذي يسير فيه الحزب، سياسي ويكمن في ترقّب ما ستؤول إليه مفاوضات المدّ والجزر بين طهران وواشنطن، خصوصاً أن القيادة الإيرانية تشترط أن يكون الملف اللبناني جزءاً من أي تسوية مع الولايات المتحدة. وبالتالي فإن الحزب مطمئن إلى أن هذه التسوية، إذا تمّت، ستلزم تل أبيب حتماً بإنهاء العدوان، وستراعي الحد الأدنى من مصالحه ومتطلباته.
 
أما ما يساعد الحزب في الاستمرار في اعتماد استراتيجية الصمود هو أن البيئة الشيعية لا تزال متماسكة وداعمة لخياراته على رغم من الخسائر التي لحقت بها جراء العدوان الإسرائيلي، وهذا ما عكسه استطلاع الرأي الذي أجرته أخيراً إحدى الشركات المتخصصة، وأظهر أن 87.5 في المئة من الشيعة يعارضون نزع السلاح، وأن 92.9 في المئة منهم يعارضون التفاوض المباشر، و92.1 في المئة يرفضون توقيع اتفاقية سلام، و94.3 في المئة يرفضون التطبيع.
كذلك، يولي الحزب أهمية كبيرة لثبات التحالف مع الرئيس نبيه بري، فيما يؤكد العارفون أن التنسيق بين الجانبين وثيق ومستمر، لمواكبة التطورات الميدانية والسياسية.
ويلفت المطلعون الى انه خارج إطار الثنائي الشيعي،  يعتبر الحزب أن مساحة التلاقي أو التقاطع مع الآخرين في الداخل يجب أن تتسع لتشمل كل الذين يشاركونه خط مناهضة خيار السلام والتطبيع، وإن اختلفوا معه احيانا حول نمط المقاومة لهذا المشروع، فإذا كان عنوان المقاومة اليوم عسكريا، فهو سيتحول حكما بعد انتهاء الحرب في المرحلة المقبلة، الى اوجه اخرى، ثقافية وشعبية واقتصادية ودبلوماسية، بينما اليوم لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.

الباحث في الشؤون الاقليمية رفعت بدوي قال في حديث لصوت المدى ان يؤرقه ما تذهب اليه السلطة اللبنانية والقيمون عليها الانهم لا يعتبرون من تجارب التاريخ وما اشبه اليوم بالامس ففي العام 1984 ألف الراحل سليم الحص كتابا بعنوان ما اعظم الجنوب، فكيف الحال بعد التحرير في ال 2000 والانتصار في ال 2006؟ واليوم السلطة تسمح بان يقاد لبنان الى حفرة وسيلعنها التاريخ لان التفاوض المباشر مع اسرائيل خاطئ، فكيف يجتمعون اليوم مع ممثل عن نتنياهو وهو مجرم الحرب، والدبلوماسية ليست كل الحلول لاننا نسلم بذلك كل اوراق قوة لبنان، كما ان الحل العسكري ليس الحل الوحيد ويكمن الحل بتوحيد الموقف اللبناني وسأل بدوي: هل امر طبيعي ان يرتفع العلم اللبناني الى جانب الاسرائيلي ما يشير الى اننا ذاهبون الى التطبيع وتنسيق امني مع اسرائيل وهل يريدون ان يصبح لبنان رام الله ثانية؟بينما شبابنا يقاتلون ويتصدون للاحتلال والشهداء يسقطون في الجنوب دفاعا عن لبنان، فأبشع شيئ ان تحارب الدولة شبابنا الذين يهبون للدفاع عن ارضهم، وتتنكر السلطة لقوة مقاومتنا في مواجهة العدو الاسرائيلي.

وختم بدوي بتأكيده انه يثق بالجيش اللبناني الذي سيرفض اي محاولات لانشاء لواء جديد لمحاربة اللبنانيين في الجنوب، فالجيش مؤسسة وطنية فيها شرفاء وكلنا ثقة بقيادة قائد الجيش العماد رودولف هيكل. 

21/5/2026


Comments

Popular posts from this blog

الامبراطورية الاميركية تحولت الى أمة مستبدة تقوم على وهم القوة والبرازيل تتصدى لترامب بتفعيل "جسر البريكس"

النساء في إيران تتحدى سياسات التمييز ضدهن بفرض الحجاب...حدث رياضي تحول الى مهرجان "بشعر مكشوف"!

مصير حكومة نواف شبيهة بمصير حكومة عباس...والذي سيفاوض عن لبنان هو من يملك السلاح -نسيم بو سمرا