هل يراهن جوزاف عون على العدو لهزيمة حزب الله في الميدان فيحقق بذلك مشروعه للسلام؟ نسيم بو سمرا

لا يمكن ان يكون هو نفسه قائد الجيش السابق الذي يعرف الأرض وقاد مؤسسة تجسد المجتمع اللبناني بتنوعه الطائفي والمذهبي، خدم كضابط في كل المناطق اللبنانية بما فيها الجنوب، ومع ذلك يتصرف وكأن الشيعة ليسوا لبنانيين، بينما شعب جبل عامل شكل أساس فكرة الكيان اللبناني قبل مئات السنين من تأسيسه على يد الموارنة والدروز في جبل لبنان، قائد جيش سابق يتصرف وكأن الجنوب ليس جزءا من لبنان ببنما هو فعليا القلب النابض للبنان والحصن اذا سقط بيد العدو، يسقط لبنان؛

فكيف لرجل عاش من موقعه المتقدم بالمسؤولية، طبيعة الصراع مع "إسرائيل"، وخبر حجم خطره على لبنان، يتصرف اليوم كسياسي تقليدي ورث الزعامة من أبيه، او كرجل اعمال يأتي من خلفية مصرفية نهبت اموال اللبنانيين، او كرجل دين منغلق على طائفته، يرى لبنان بعين تاريخ طائفته، وينظر الى اللبنانيين كرعايا في كنيسته؛ هو عسكري ولكن لا يفهم او لا يكترث لما يحصل اليوم في الميدان، من تبدل في المعادلة العسكرية التي كانت سائدة في ال ٢٠٢٣، بدل ان يستثمر صمود المقاومة وتصديها البطولي للعدو على ارض الجنوب المحتل، يذهب الى مفاوضات واشنطن، خالي اليدين، لا بل عاريآ من أوراق قوة كان يمكن ان تكسوه، لو أراد ذلك، وتجنبه التنازلات المذلة والتقديمات المجانية لعدو يرتكب المجازر بشعبه، (آخر احصاء لليونيسيف يكشف عن ان الاطفال في لبنان يستشهدون بمعدل ١١ طفلا يوميآ نتيجة الاعتداءات الاسرائيلية) ويدمر حجره، حتى الآثار منها في صور والشقيف، لم تنج من بربريته.

لا يمكن لرئيس جمهورية، ان يتصرف كطرف او كرئيس حزب فئوي، الا اذا كان ما زال يراهن على انكسار المعادلة الجديدة التي فرضها حزب الله، بهزيمته كليا، امام جيش العدو، فبذلك تنكسر الطائفة الشيعية بأكملها، فتفرض عليها الشروط المذلة في الداخل لتعود مكونا هامشيا في النظام السياسي، كما كانت سابقا في دستور ١٩٤٣، او ربما اقتنع الرئيس جوزاف عون بمشروع القوات اللبنانية، بفتح طريق آمن يهاجر منه شيعة لبنان الى العراق، فينجح حينها هدف اسرائيل بتوطين فلسطينيي مخيمات لبنان في الجنوب، لضرب حق العودة، او يتحقق حلم اسرائيل التلمودي بضم الجنوب حتى نهر الليطاني الى كيانها المحتل، فلسطين.

لا يمكن لمسؤول وخاصة بمنصب رئاسة الجمهورية، ان يكون منفصلا عن الواقع لهذه الدرجة، لا يشعر بآلام شريحة كاملة من شعبه، تستشهد دفاعا عن لبنان وتقاتل نيابة عن كل اللبنانيين، هي تقاتل نيابة عن الجيش حتى، الذي من مهماته وحده الدفاع عن الحدود، ها هو يتلقى امرا امس من المستوى السياسي بالانسحاب من دبين، امام تقدم العدو نحو البلدة، ما سهل غزوها، بدل ان يبقى في مواقعه ويقوم بواجبه الوطني بالتصدي للتقدم الاسرائيلي) ولا يمكن لرئيس جمهورية أن يتبع سياسة دفن رأسه بالرمال كالنعامة امام احتلال الارض وسفك الدماء والتدمير والتهجير، فيستمر بخطاب يركّز على التهدئة والسلام، وكأنّ المشكلة الأساسيّة ليست الاحتلال، بل هي مقاومة اللبنانيين للمحتل، ويؤشر عناد الرئيس عون بنزع سلاح حزب الله بالقوة، من دون مراعاة الصيغة اللبنانية، بأنه يراهن على العدو لهزيمة حزب الله في الميدان لتحقيق مشروعه للسلام؛

جوزاف عون، ينقلب على تاريخه في قيادة الجيش، التي كانت عمليًّا ضمن معادلة "الجيش والشعب والمقـاومة"، في مرحلة كان فيها التنسيق الميداني والسياسي مع المقـاومة جزءًا من معادلة حماية لبنان الذهبية، بينما تبدو المفارقة السياسيّة واضحة اليوم بين موقفَي الرئيس جوزاف عون ورئيس الحكومة نوّاف سلام. فبينما يذهب رئيس الجمهوريّة أكثر فأكثر نحو خطاب استسلامي تجاه اسرائيل وكأنه سلم فيه بالهزيمة، من دون ان يحاول حتى مقاومة المحتل، بإعطائه الاوامر للجيش كقائد اعلى للقوات المسلحة، بعدم الانسحاب امام التقدم الاسرائيلي نحو النبطيّة وصور وما قد يليهما باتجاه صيدا، يظهر رئيس الحكومة أكثر انسجامًا مع التاريخ في مقاربة ما يجري باعتباره عدوانًا واجتياحًا لا يمكن التعامل معه بخفّة سياسيّة أو بلغة رماديّة، مطالبا بوقف اطلاق النار وانسحاب اسرائيل، في وقت يعتبر نواف سلام الأقرب الى الخيار الغربي، من جوزاف عون الذي لم يتجرأ حتى على إصدار موقف إدانة الاعتداءات على صور والنبطية وتدمير معالمهما التاريخية، فيما يخلو موقف الرئيس بشكل عام وبخاصة في ظل الاجرام الاسرائيلي بحق لبنان، من العنفوان والعزة الوطنية، التي تظهر جليا لدى بيئة المقاومة التي بالمناسبة لا تنحصر بالشارع الشيعي، بل توسعت هذا البيئة لتشمل جميع الطوائف، وخاصة اليوم بعدما انكشفت حقيقة الجميع، احزاب ورؤساء أحزاب وسياسيون ومسؤولون، غربلتهم هذه الحرب، ويكفي ان نسمع خطاب هؤلاء الانهزامي، لنفرز: المصلحي عن المبدأي، والقاتل عن المقاتل، والخائن عن الوطني، والمستسلم عن المقاوم.

30/5/2026


Comments

Popular posts from this blog

الامبراطورية الاميركية تحولت الى أمة مستبدة تقوم على وهم القوة والبرازيل تتصدى لترامب بتفعيل "جسر البريكس"

النساء في إيران تتحدى سياسات التمييز ضدهن بفرض الحجاب...حدث رياضي تحول الى مهرجان "بشعر مكشوف"!

مصير حكومة نواف شبيهة بمصير حكومة عباس...والذي سيفاوض عن لبنان هو من يملك السلاح -نسيم بو سمرا