بنت جبيل عنوان المعركة...والمهللون لسقوطها عملاء الداخل تمهيدا لتبرير خيانتهم بالمفاوضات- نسيم بو سمرا
لا يجب ان نقلق تجاه التطورات الميدانية في
الجنوب، ولكن ما يقلقنا هي الاجواء الشبيهة بأجواء ال 75 بين اللبنانيين ونحن
اليوم في ذكرى 13 نيسان ذكرى الحرب الاهلية المشؤومة، حيث يسود
خطاب التحريض والكراهية وتنتشر الشائعات، في لحظة صعبة ومصيرية فيطفو
على السطح الخطاب التقسيمي الذي يفجّر حربا بالداخل وهي أخطر من العدوان، اذ ان
العدوان تواجهه المقاومة بكل شراسة وعزم، فهذه ارضها وصاحب الارض يتفوق دائما على
المحتل، ولكن الفتنة الداخلية تنتج انقساما في مواجهة المحتل، بدل ان نواجهه موحدين وهنا يكمن
الخطر الاكبر، اما الخيانة فليست في اجراء مفاوضات مباشرة مع العدو بحد ذاتها، بل
هي المراهنة على انكسار المقاومة لتبرير إجراء المفاوضات من موقع الضعف، مهزومين
مستسلمين.
العدو يسعى بكل قواه الى تأليب اللبنانيين
على المقاومة وهو لديه عشرات المتعاملين معه وربما المئات من سياسيين ونخب في
المجتمع، تساعده على تحقيق هذا الهداف في لبنان، وعلى رأسها سلطة الوصاية التي
تسعى للرضوخ للعدو لا إقامة سلام معه، لان السلام من وجهة نظر الاسرائيلي هو خضوع
واذعان لشروطها، وما زيارة نتنياهو
الذي سوق لفيديو "مخترته" داخل الجنوب اللبناني، الا خدمة لهذا الهدف،
وتشير المعلومات الى انه كان يعتزم التوجه إلى بلدة بنت جبيل بعد هبوط مروحيته في
مستعمرة أفيفيم المقابلة لمارون الراس، لإعلان السيطرة عليها وإلقاء خطاب احتفالي
في ملعبها، بعد تقديرات أولية تحدثت عن وصول القوات الإسرائيلية إلى داخل البلدة
من مختلف المحاور، إلا أن تطورات ميدانية متسارعة طرأت خلال الرحلة، إذ أُبلغ بأن
القوات الإسرائيلية تواجه صعوبات كبيرة وتضطر إلى التراجع تحت وطأة كمائن كثيفة
ونيران مركزة من قبل "رجال الله"، وهو ما جعله بالاكتفاء بعقد اجتماع في
مستعمرة أفيفيم، للإيحاء بتحقيق إنجاز ميداني عبر التواجد عند أطراف الأراضي
اللبنانية.
نفهم ان اسرائيل تبحث عن صورة "نصر وهمي" في لبنان، ولكن لا نفهم تهليل عملاء الداخل وسلطة الوصاية وابواقهم الاعلامية لهذه الصورة والتي تجهد في نشر السردية الاسرائيلية ربما"
لتبرير خيانتهم العظمى قبل البدء بالمفاوضات المباشرة مع اسرائيل وتقديم ما تبقى من تنازلات.
فيما المقاومة لم تفشل بعد في التصدي للتوغل البري الاسرائيلي، و"عاصمة التحرير" لم تسقط بيد العدو الاسرائيلي، وهو يسعى لاسقاطها قبل الثلاثاء، موعد الذل والاستسلام.
ولكن لفهم لماذا يستميت الاحتلال لدخول بنت جبيل، يجب الاشارة الى ان
المدينة التي تكوي العقيدة الاسرائيلية بالهزائم تبرز كرمز لمقاومة لا تنكسر أمام
آلة الحرب الإسرائيلية، بنت جبيل التي لطالما وضعها المحتل نصب اعينه لتحقيق
أهدافه العسكرية، لكنه اصطدم بإخفاقات استراتيجية وتكتيكية جسيمة جعلت هذه المدينة
عصية على السقوط، بعد اكثر من شهر ونصف من المعارك المتواصلة والملحمية التي
يسطرها شباب المقاومة على الجبهة الجنوبية للبنان.
ولذلك لجأ العدو راهنا الى تعديل أهدافه، فبالبداية كان هدف الاحتلال
الإسرائيلي يتجاوز مجرد احتلال مدينة بنت جبيل، حيث كان يسعى إلى عزل المنطقة
الجغرافية الواسعة لها عن بقية الأراضي اللبنانية، وذلك في محاولة لخلق "شريط
حدودي” أمني؛ ولكن بعد فشل متكرر على عدة محاور رئيسية مثل "القوزح - وادي العيون
- رشاف” و”عيترون - وادي السكيكية - وادي السلوقي”، اضطر الإسرائيلي إلى تعديل
استراتيجيته بشكل كامل، فلم يعد هدفه
السيطرة على المنطقة بكاملها، بل اقتصر على محاولة محاصرة المدينة نفسها، أو على
الأقل، اقتحام ملعبها ومدرستها.
هذا الفشل التكتيكي يظهر بوضوح في عدم قدرة الاحتلال على تحقيق أي
تقدم ملموس يتجاوز عمق 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية. النقطة الوحيدة التي
استطاع الوصول إليها كانت منطقة البياضة على مسافة 8 كيلومترات من الحدود. وهذا
يضعف تماماً من فكرة "الشريط الحدودي” الذي كان يسعى الاحتلال لإقامته، ليجعل
أي توغل في الأراضي اللبنانية بمثابة جيوب معزولة لا قيمة لها من الناحية العسكرية.
وتكمن أهمية بنت جبيل في موقعها الجغرافي وارتفاعها الذي يصل إلى نحو
770 مترا، ما يجعلها منطقة إشراف حاكمة على جنوب لبنان وشمال إسرائيل، والسيطرة
على هذه المدينة تعني عمليا التحكم في جزء واسع من القطاع الأوسط، وفتح الطريق
أمام إعادة رسم خطوط التماس بما يخدم الرؤية الإسرائيلية للمرحلة المقبل
واليوم مع مع تزايد الفشل في محاور الاشتباك التقليدية، دفع جيش
الاحتلال الإسرائيلي بقوات جديدة إلى المعركة من المظليين والكوماندوز ولواء غفعاتي
معلنا توسيع عملياته لتعزيز خط الدفاع الأمامي جنوبي لبنان بعدما فشل حين أقحم الفرقة
المدرعة 162، بتغيير مجرى المعركة.
ورغم ذلك لا يزال الاحتلال عاجزاً عن تحقيق اختراق حاسم داخل مدينة
بنت جبيل، إذ فشل حتى الآن في الوصول إلى المعالم السيادية الأساسية في المدينة،
مثل سوق بنت جبيل، ملعب المدينة، المسجد الكبير، والبركة والمجمع الديني.
اما مدينة الخيام فهي ايضا تشكل عائقا امام العدو لتعميق احتلاله وهي
تشكل بدورها نقطة إشراف استراتيجية على سهل الحولة وإصبع الجليل. فكلما فشل
الاحتلال في تحقيق أي تقدم حاسم في هاتين المدينتين الحدوديتين، تكون بذلك قد فشلت
عملياته البرية في تحقيق أهدافه الاستراتيجية، وحتى مع الضغوطات العسكرية المستمرة
والقصف المكثف، لا تزال المقاومة تتصدى وتسطر ملاحم بطولية في بنت جبيل كما في
الخيام، وما زال العدو عاجزاً عن تخطي خطوط التماس الهامة بين هذه المناطق.


Comments
Post a Comment