صمدنا...وعلى الدولة ان تتصرف كدولة باستثمار تضحيات المقاومة لمصلحة لبنان- نسيم بو سمرا

 

ما حصل في الحرب التي تأخذ ابتداء من اليوم استراحة محارب لمدة عشرة أيام هو حرب بين جيش يُعد من أقوى جيوش العالم تسليحاً وتطوراً، ولكن أكثرهم لاأخلاقية، وبين مقاومة جبارة لا تشبه اي مقاومة بالعالم، ومعركة بنت جبيل شاهد على هذا النموذج الفريد من المقاومات الذي يجب ان يدرس في المدارس الحربية حول العالم؛ إنّ هدف جيش العدو الإسرائيلي في هذه المواجهة كان تحقيق الانتصار من خلال احتلال كامل منطقة جنوب الليطاني وما منعه من تحقيق هدفه هو فشله في احتلال بنت جبيل والخيام، وتكبده خسائر فادحة جراء هجومه في العتاد والجنود ، فيما هدف المقاومة هو الصمود، ومنعه من احتلال هاتين المدينتين الاستراتجيتين وقد نجحت بذلك، والترجمة لهذا الفشل الاسرائيلي هو وقف اطلاق النار الذي حصل  وأظهر أن إسرائيل "لم تحقق الانتصار الذي تريده"، في مقابل صمود المقاومة وعدم استسلامها.

أما المواقف التي تلت إعلان وقف إطلاق النار في لبنان فاتسمت بالمبالغة، بين من وصف ما جرى بالانتصار ومن اعتبره هزيمة، بينما "الأصح أن نقول إننا صمدنا".

يبقى السؤال: ماذا بعد هذا الصمود الأسطوري للمقاومة ونجاحها في ردع العدو وهل يكفي وحده لتحصين الوحدة الوطنية في لبنان والتي تصدعت خلال الحرب؟ بالتأكيد لا، فهذا يستوجب ان يكون هناك دولة في لبنان، تمتلك مشروعاً وطنيا يحفظ سيادة لبنان ولا يفرط بها، فالمقاومة حلت مكان الدولة حين تخلت عن الجنوب وتركت مواطنيها لمصيرهم، بينما على الدولة اليوم بجيشها وقواها الامنية ان تقوم بدورها وواجبها في حماية اللبنانيين والدفاع عن كل شبر من الارض من شمال لبنان الى جنوبه وشرقه، ولذلك على العهد اليوم ان يستثمر هذا الصمود اذا أراد الحفاظ على المكتسبات وحماية لبنان من اعتداءات مستقبلية وأطماع اسرائيل به،  في أي مفاوضات مقبلة، وعلى رأسها تحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل حتى الحدود الدولية، بدل استمرار الحكومة برئاسة نواف سلام والرئيس جوزاف عون بتقديم التنازلات وإظهار أعراض الضعف خلال استعار المعارك والاعتداءات على لبنان، ما أوحى لقسم كبير من اللبنانيين ان الدولة تتآمر مع الاسرائيلي على المقاومة وتطعنها في الظهر.

فيما وقف إطلاق النار الذي فرضته إيران بمساهمة سعودية باكستانية،  استنادا الى "الصمود البطولي للمقاومة"، يمكن بواسطته للدولة اعادة اعتبارها والاستفادة من هذه الفرصة الاستثنائية لاستخدام اوراق القوة التي أمنتها لها المقاومة ووضع خطة تفاوضية واضحة ومتكاملة، تمكّنها من التفاوض من موقع أقوى وتجنّب مسار التنازلات السابقة، لان أي تفاوض بلا استراتيجية واضحة تحمي المصلحة الوطنية العليا، ليس سياسة، بل انزلاق نحو الاستسلام، فالدولة لا تفاوض بالارتجال ولا بالترجي والاذلال، ولا تُدار ملفات الحرب والسلم بلا رؤية وتفويض وسقوف محددة، بظل غياب الإطار الواضح، لانه بذلك سيضطر ان يتنازل للعدو بالمفاوضات، ما يضرب الانجازات التي حققتها المقاومة بوجه العدو لا بل ذلك سيشكل خطرا مباشرا على السيادة.

ولذلك على الدولة ان تتصرف كدولة لا كطرف سياسي خصم لحزب الله، من خلال استثمار التضحيات لمصلحة لبنان، فحين تُبنى دولةٌ قوية ببسط سلطتها وجيشها القوي من خلال استراتيجية دفاعية عمادها الجيش الذي يستفيد من سلاح المقاومة وخبرة رجال الله في الميدان، حينها ينتصر لبنان على العدو لا فقط يصمد أمامه، وبهذه الحالة فقط تستعيد الدولة ثقة جميع اللبنانيين، الذين حينئذ سيدعمون سياساتها وتوجهاتها في هذا السياق، لأبعد حدود.  

 17/4/2026


Comments

Popular posts from this blog

الامبراطورية الاميركية تحولت الى أمة مستبدة تقوم على وهم القوة والبرازيل تتصدى لترامب بتفعيل "جسر البريكس"

النساء في إيران تتحدى سياسات التمييز ضدهن بفرض الحجاب...حدث رياضي تحول الى مهرجان "بشعر مكشوف"!

مصير حكومة نواف شبيهة بمصير حكومة عباس...والذي سيفاوض عن لبنان هو من يملك السلاح -نسيم بو سمرا